1
الخسارةُ ليست عند ذهابِهم، أو بفقدانِ كبرياءِ التجربة؛ بل ألّا يفتخرَ بأنَّه أنقذَ القليلَ مِن حياتِه..
ذلك ما أنجزَه ـ كلّ العمر ـ لِتَتِمَّ الحكاية.
———–
متى تعالى الليلُ جَسَرَ ذلك الوحيدُ على هدمِ البيتِ داخلِه.
ومن الغدِ لا بدّ أن يُعيدَ للعائلةِ اصطفافَها في الصورِ ويزيدُ من حصصِ انتظارِه لهم.
عليه أن يتحمّلَ عبءَ التركة؛ ذلك أنَّه وُلدَ بكلِّ هذه الجبال.
———-
تابوتُه يُسافر باتجاهِ الدّيار، ويزدانُ بقصصٍ صغيرة:
• كلّما خارتْ قلعةٌ واعدتَ أمَلَك.
• الذين سبقوكَ ـ منزوعو الأطراف ـ لم يعودوا جنوداً، بينما تلك الحربُ تَرْمُدُ عيونَهم.
• الأكتافُ التي كانت تُسوّرُكَ تَقِلّ، والصديقُ الذي أعدَّ قصيدتَه اعتذر.
• ليلُك ليلُ وحدِك.. سيان في أقاصي الجبهةِ أو في كنفِ البيت.
• أباطرةُ السهرِ على قَدْرِ ولَعِهم بالصداقة، يقترحونَ شهادةَ مَثْوَاك.
تلك سجّلاتٌ لتاريخٍ غيرَ جديرٍ بالنقل..
وأمجادُه ـ رهينةُ الوعودِ ـ تَعِبتْ، ويروقُ لها حَتْفَه.
———–
عندما توقفَ الطرفان، كان يأملُ مواراةَ الزمنِ للهزيمة، بينما سيُكرّسُ الخيبةَ لتقييمِ أسبابِ الخلاف.
وتخفيفاً لوطأةِ الذاكرةِ توقفَ أمامَ رغبةِ الاكتفاء.
… بعد سنواتٍ وهو يشرحُ وجاهةَ المواجهة، وجدَ الرضا خُدعةً دارجةً لمداهنةِ التسليم، فيما كانت التسويةُ ترميمَ الخاسر!.
———–
وهو يَدّعي التخليقَ سَمَّى ظِلَّه (الغُيّاب)، وعَدَّ فقدَهم زلّةً ليغفرَها، وزَيّنَ المدينةَ بمواعيدَ بَهِيَّة…
وعندما أتى على (ذاتِه) تَكَشَّفَ كنزُه: كائنُ الالتباس.
———–
فيما هم يُتابعون الإعلان: (تمَّ التطهير…) ـ كما تناقلوا بفخرٍ لاحقاً ـ، كانت الشاشاتُ تلمعُ بالكشوفاتِ المنجزة.
وهو يجلسُ في ليلٍ ناصعِ اللذّةِ خارجَ البلاد..
كانت روحُه منزوعة إلى طَوِيَّةِ الغد، وقلبُه يكشفُ القصّةَ كاملة: «الوطنُ ليس كلَّ هذه الاستباحةِ للرجالِ بالقلق، وليس كلَّ هذا الاستنزافِ، حتَّى آخرِ أمل».
———–
منذُ أرختِ المدينةُ أغلالَها إلى البحرِ..
لم يعد من أحدٍ يحكي خرسَ الموجِ سوى الّليل.
———–
منذُ انفصلا، وأضرارٌ صغيرةٌ تظهر..
أثرُ الخاتمِ في الأصبعِ ينطقُ الليلةَ الأُولى، بينما قد اتسعَ الفارقُ بين رُوحَيْن.
رفُّ العطورِ يشي بزهرةِ (الإيرس)، فيما الغرفةُ أفسدَها خرابُ التجاهل.
مشجبُ الفستانِ متماسك، ولكنَّ الهجرَ حَجّمَ بريقَ (الميكادو).
.
كانت مجردَ أضرارٍ ضئيلة، إلّا أنّ قَدرَ بعضِ الأشياءِ أن تتقبَّلَ قليلاً من الجرح.
———–
صِيغتْ خلفيةُ المساءِ هكذا..
البحرُ الذي يصعدُ الصخرةَ ليفركَ قدمَيْه صارَ أكثرَ جَزْرَاً، والنوارسُ ذاتُ الصفوِ لم تعدْ دهشةَ الأبيضِ فوقَ الشاطئِ. والقواقعُ التي أجادتْ لعبةَ البنفسجِ فقدتْ الشُّعْلَة. والشّارعُ المحاذي ـ الفتيّ بالعُشّاقِ ونَوْطِ الوردِ ـ أوقفَ احتفاءَهُ بالألوان…
في ليلةِ الانطفاءِ غادرَ ذلك المنظرُ دفاترَ الطفلِ الزّاهِيَّة، وراحتْ الأمُّ تنتحبُ أماكنَ المدينةِ كلِّها.
———–
2
قرر: «أُريدُ أن أخسرَ بفارقِ نقطتين، لا بفارقِ نقطة».
يسألُ أن يكونَ متخلّفاً بمسافةٍ أكثر.
إنَّه مهيأٌ للظلامِ دونَ سابق أمجادٍ يستردُّها.
عندما جَزَّ وريدَه وتنحّى من الحياة، اختارَتْه الريادةُ كلُّها؛ إذ أطلقتْ الصُحفُ شرارةَ الشهرةِ وبخطوطٍ عريضة:
(أولُ حالةِ انتحارٍ في البلاد!).
———–
طيلةُ الركض؛ اتخذَ الأخطاءَ ذاتَها، واقتحمَ الأبوابَ المكررة، وقطعَ السنواتِ المتشابهة..
ثمَّ مضى مُدعيّاً جَسَارةَ التريث، وأيّامُهُ الأخيرةُ تنسلُّ من على كَتِفَيْه في تتابعٍ شَيّق.
———–
ببالغِ السنوات؛ أعدَّ خيولَ الوقتِ لسبقٍ دونَ انتهاء، وأسندَ الاحتمالَ لوعودِ الأمل، وشحذَ القَدَرَ لتسميةِ الملاذ…، إلى أن أشرَعَ قَفْرَه عَديمَ الجهات.
متى بلغَ من التجربةِ شأناً؛ وجدَ العراءَ يسكنُه.
———–
بمديدِ العمر؛ تطلّعَ إلى سُدى النياشين، وراهنَ على جُرفِ الانتظار..
جلسَ أمام النافذةِ وورطةِ الأيَّام، وبدمعٍ يسهلُ تفسيرُه..
كان يعرفُ أنّ البكاءَ إفلاسُ المحاولةِ الواحدة، وهو الذي بذلَ الحياةَ بأسرِها للمتاحِ فقط.
بينما كانتْ ضَالّةُ القلبِ جَريرةَ تَجنُّبِه للإقدام.
———–
«أفتقدُها…».
إذن، جيوشٌ كُبرى بأسرِها تتأهب، وجبالٌ عصيّةٌ تخشى على هاماتِها، ومجراتٌ تُفاجَأُ بتعديلاتٍ تعسفيَّةٍ في المسيرة، وحضاراتٌ مجيدةٌ يُعادُ تقييمُها..
عندها كان يكتبُ إلى قُوّاتِه ـ في الهذيانِ ـ إشارةً أخيرة:
«على العالمِ أن يتمسّكَ بحظوظٍ أكثرَ مسؤولية، وأن ينقضَّ على قليلِ فرصِهِ للنجاة».
———–
من الشبّاكِ الرّحْب.. الضوءُ يبعثُ رقصَ الحديقة. والمريضُ ينبسطُ جسدُه على السرير.
هناك أجنحةٌ من ريحٍ تنوشُ حكايتَها في الشجر، كما لو أنَّها في الخارجِ تبدأُ حديثاً يخصُّه.
فكَّر: «يا لكثرةِ الوسائد.. ولو لمرّةٍ، لِمَ يا الله لا تحشو واحدةً منها بالنهاية!».
وكانت تلك الأجنحةُ مع كلِّ الحديقةِ تتسللُ إليه من الشبّاكِ المُضَـلـِل.
———–
كادتْ أن تكونَ عُرضةً للأملِ الذي سيشدُّ مِعْصَمَها إلى الجسر..
تقول: «كان لي أن أعيشَ بسيرتِهم؛ لولا استعادةُ الموقفِ قبل الانجراف».. تُعيدُ هذا مِرَارَاً، وأنَّه لم يعنها إنجاز الصديقاتِ في الحياة، ومع ذلك فهي تُبدي لهنَّ الغبطةَ لِتَدعمَ تفاخُرَهُنَّ فقط.
وتحكي لأُخرياتٍ ـ شغوفاتٍ بالقصصِ ـ حلاوةَ الاختيارِ وصورِها في الأمس دونَ سطوةِ الأسلاف.
ثمَّ تجلسُ أمام عمرِها سديدةَ القلبِ والتأمُّلِ في ما أسمتْه (الرضا).
عندما تُفضي إلى ليلِها تَعُودُها أُلفةٌ آسرة مع (النَّدَم)، وفي رفقةٍ يصعبُ وصفُها؛ بل يستحيلُ تَحَمُّلُها!.
———–
سيذهبون، ووحيداً يبقى ليُردد: «رحلوا».
مَنْ غيره سيسردُ دائماً هذه الحكايةَ الفريدة؟!.
———–
لا بأس.. فقد أورقَ لجميعِ المقاصل.
لكنَّ رغبةً في تمامِ الاحتفاء، وتفادياً لنقصانِ الملاحمِ العُظمى، يُريدُ أن يعرف: الحضاراتِ المدعوةَ لموعدِ الزوال، والشخصياتِ الأجدرَ بمحفلِ البَتّ، والأرضَ الأثيرةَ بنَصْبِ الخاتمة، والعتادَ المُؤهلَ لمهدِ التخلّي، والمجرّاتِ المهيأةَ لأخذِ العبرة، ومدى التلويحِ المُتَوَّجِ بحَسْمِ الترك.
فقط ليعرفَ قائمةَ المفاخر، ولمجانبةِ هفواتِ المذابحِ الكُبرى، فهو حريصٌ على مَسيرةِ الشرفِ حتَّى أقاصي أَمرِها.. تلك السيدة.
———–
تسلّحَ بالليل كلِّه، وذهبَ يُعلي صوتَ الحرب:
«يصحُّ لي ألّا أحبَّ أحداً، ويحقُ لي ألّا أحبَّ حتَّى نفسي؛ لكن ليس من صالحِ العالمِ ألّا أُحبَّ هذه السيدة».
تشبّثَ بالنهارِ كاملاً؛ فقد آثرتْ المعركةُ تاجَه، وعليه الآن إحصاءُ مقاتلِه وجراحِه، واستلامُ الأسرى..
أمّا سِجّلُ المفقودِينَ فلمْ يُدوّنْ أيّ فقيدٍ سُوَاه.
———–
أحرقَ الغابات؛ ليتسعَ دربُ الصباح.
دفنَ المياه بحراً بحراً؛ ليطمئنَ الطريقُ وما عاد من غرق.
أزاحَ الجبال، وسوّى النزاعات، ليُمهدَ المصالحة.
أنفقَ السلامَ كلَّه؛ لميلادِ البيتِ المؤجّل.
ألغى الأبواب، ونزعَ السقوف، فالعراءُ ملاذٌ أوسع.
لن يُوقفه شيء عن الموقف.
…
وما إن طَوى رجاءَه في عودةِ سنواتٍ كبيرةٍ غادرَته، حتَّى راحَ يكتبُ؛ ليُقررَ مصيرَ الرُؤيا، ليُحدّدَ فرصَ العالمِ لديه.
———–
منذُ صِغَرِه وهو يعرفُ أنّ أمَّه تحتاجُه رَجُلاً.. لذا كبرتْ الدنيا، وتسارعتْ خطواتُه مع لهفةِ الحياة، ورَحُبَ الأفقُ أمامَ الواجب، وحدّقتْ المسافاتُ في إقدامِه النَّهِم، وخضعتْ التطلّعات فدنتْ، هكذا…
حتَّى اشتدَّ متنُه لاتكاءِ الآخرين.
وهناك لم تجده!.
———–
3
رجلٌ محتشدٌ للمعاركِ دونَ شرطِ الانتصار.
عندما ينزلُ إلى شارعِ المدينةِ تخذلُه الكلمات؛ حيثُ يلتقي الفجيعةَ في اللغةِ والنّاس..
ويختمُ النهارَ بجلبِ اللّيلِ إلى مختبرِ (المحاولاتِ) والبيت.
إنّ الحسرةَ تُقيمُ دوماً في الداخل.
———–
يُداومُ على تشكيلِ الاحتمالات، ويُخففُ من تجاعيد الطريقِ الطويل.
متى أقبلَ أحدُهم سيشرحُ له فضيلةَ العزلة، وأنَّه أقربُ بالمحبّةِ، ومع (الأولوّيات).. دونَ تسميتِها!.
هذا ما تبقى من بارودِ الروحِ، وللتباهي عندما يحينُ فارقُ الميدان.
ولا يُعيرونَه انتباهاً.
———–
يُحاصرُ مُعْتِلِي المشهدِ اليوم. هم سادةُ الكتابةِ العجلةِ والمُغلّفةِ بثقةِ الهشِّ وتحويرِ الراهنِ السريعِ إلى أساطير..
يقفُ بِحدّةِ الشاهدِ الجريحِ لإشهارِ المسؤوليةِ الساطعة.
في كلِّ مرّةٍ يرعى تذمرَه، حتَّى شروقٍ آخر.
في اليوم التالي يلمسُ خجلَ الكلماتِ العاليةِ من المكتباتِ وواجهاتِها المُلَوّنة!.
———–
من خلالِ الطموحاتِ المُدَّخرةِ يُتابعُ العالمَ الخارق.
وعندما يهطلُ الرفاقُ من غيابِهم، لن يُعلنَ زفافَ الإيابِ وجدوىٰ التلويحِ من بعدِهم.
أحياناً يعودونَ، لكنّهم مُستَلَبينَ إلى (حياةٍ) لا تعنيهم، ويُغادرونَ مُجدّداً..
قال ذلك.
———–
هناك في معتركِ يوميَّاتِه، وبمددِ التصبّرِ يُشيرُ نحو البلاد، وإلى وفرةِ الأبوابِ للقادمين، وبما يكنزُهُ من سليمِ الكلامِ.. يدعوُهم للتريث.
يقول: «إنّ ما يُصيبُ الجغرافيا سيُتلِفُ التاريخَ حتماً».
يُنادي بهم.. ولا أحد!.
———–
كلّما باشروا وردَ صباحِه يجدُونَه على الحكايةِ الأُولى..
لم يتغَيّرْ نزولاً عنّد ضرورةِ العيش، وما زال في اقتتالٍ لانتشالِ الأيَّام ِالخوالي.
…
تَفَرقَتْ الصحبةُ وأنقذَ من الورقِ القديمِ زَعْمَهُ العالي: «الأمسُ قادم».
———–
ثُمّ…
يعلمُ أنَّ القضايا انتهت، والشعاراتِ فقدتْ بريقَها، والبياناتِ تماهت..
ولأنّ المرحلةَ استقصاءٌ شاملٌ لإعادةِ الصياغة، لن يُصارعَ قَدَرَ تحوّلِهم، ولا ينتظره..
وبشجاعةِ الشجرِ أمامَ جبروتِ الفصول، عليه أن ينشغلَ بجميلِ هذه الأرض.
… كما لو أنّ الموتَ وارد ٌ قبلَ إتمامِ الأمل.. راحَ منذوراً للصمتِ دونَ رجعة.
وادي الحسيني (جازان) 2006 – 2026
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من مجموعة (… دونَ طَائِل) تصدر قريباً.