ويأتي هذا الاستنتاج المذهل بعد تحليل دقيق لأدوات حجرية عثر عليها في صحراء النفود شمال السعودية، في موقع يعرف باسم “جبل كتيفة -1” (JKF-1)، بالقرب من بحيرة قديمة جفت منذ زمن طويل.
Stone tools from a lakeside site in Saudi Arabia hint that Neanderthals were adapted to the arid Arabian interior, not just to cold places. https://t.co/kXO0GcPxY1
— Live Science (@LiveScience) August 18, 2026
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن شبه الجزيرة العربية كانت تعتبر لغزا أثريا، إذ لم يعثر فيها مطلقا على أي عظام لإنسان نياندرتال، على عكس مناطق أخرى في أوراسيا. ورغم ذلك، كانت المنطقة تشكل مفترق طرق حيويا بين أفريقيا وأوروبا وآسيا خلال العصر الجليدي، ما يجعلها مرشحة طبيعية لعبور جماعات بشرية مختلفة.
وواجه الباحثون منذ سنوات تحديا في تفسير الاختلافات الكبيرة بين الأدوات الحجرية المكتشفة في مواقع متفرقة من شبه الجزيرة العربية. ونظرا لندرة الحفريات العظمية في المنطقة، أصبحت هذه الأدوات المصدر الرئيسي لفهم الجماعات البشرية التي سكنتها.
Stone tools dated to 60,000–50,000 years ago suggest Neanderthals reached northern Arabia, with a key flake pattern showing a 78% Neanderthal likelihood. https://t.co/9guMgVe7mf
— Phys.org (@physorg_com) August 20, 2026
وقد كان موقع “جبل كتيفة -1” صعب التأريخ بدقة، حيث تراوحت التقديرات السابقة بين 90 ألف و50 ألف سنة مضت، وهي فترة زمنية واسعة تشهد تواجدا لكل من الإنسان العاقل (Homo sapiens) والإنسان البدائي في منطقة جنوب غرب آسيا. وهذا الغموض حال دون تحديد هوية صانعي هذه الأدوات.

وللتغلب على هذه العقبة، صمم فريق البحث، الذي ضم علماء من عدة جهات، اختبارات إحصائية متقدمة لتحليل مصدر الاختلافات في الأدوات. واستخدموا قاعدة بيانات ضمت 704 رقائق حجرية كاملة من أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، يعود تاريخها إلى الفترة بين 100 ألف و50 ألف سنة مضت.
وتمكن النموذج الإحصائي من التمييز بين الأدوات المرتبطة بالإنسان العاقل وتلك المرتبطة بالإنسان البدائي بدقة تجاوزت 93%. وعند تطبيقه على أدوات موقع “جبل كتيفة -1″، أظهرت النتائج بوضوح أنها تحمل سمات أقرب إلى مجموعات أدوات إنسان نياندرتال، حيث بلغ متوسط احتمالية نسبتها إليهم 78%.
ولم تؤكد سوى أربع قطع أثرية فقط احتمالا أكبر لنسبتها إلى الإنسان العاقل، ما عزز الاستنتاج بأن الموقع كان مأهولا بإنسان نياندرتال.

وإلى جانب التحليل الشكلي للأدوات، أجرى الفريق تأريخا جديدا للرواسب في الموقع باستخدام تقنية التأريخ بالتألق، التي تقيس متى تعرضت حبيبات الرمل لضوء الشمس آخر مرة. وأسفرت هذه التقنية عن تحديد عمر الموقع بدقة أكبر، تراوح بين 60 ألف و50 ألف سنة مضت، ما يتزامن مع الفترة التي عرف فيها إنسان نياندرتال توسعا جنوبيا نحو بلاد الشام ومنطقة زاغروس (في غرب إيران وشرق العراق، وتمتد حتى جنوب شرق تركيا).
وتتجاوز أهمية هذه النتائج مجرد تحديد هوية سكان الموقع، فهي تقدم صورة جديدة للإنسان البدائي ككائن أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع بيئات متنوعة، وليس مجرد مخلوق متخصص في المناخات الباردة كما كان يعتقد سابقا. فوصولهم إلى شمال شبه الجزيرة العربية يوسع نطاق انتشارهم المعروف إلى ما وراء بلاد الشام.

كما تشير الدراسة إلى أن شبه الجزيرة العربية ربما كانت منطقة التقاء وتفاعل بين الجماعات البشرية المختلفة، وربما كانت طريقا رئيسيا للهجرات والتهجين بين الإنسان العاقل وإنسان نياندرتال. وهذا يفتح الباب أمام فهم أكثر تعقيدا لتاريخ البشر في المنطقة، خاصة في ظل ندرة البقايا العظمية والحمض النووي في خطوط العرض المنخفضة هذه.
ويؤكد الباحثون في دراستهم، المنشورة في مجلة Quaternary Science Reviews، أن هذا النهج التحليلي الكمي للتجمعات الحجرية يثبت فعاليته في كشف أسرار سلوك الإنسان القديم وديموغرافيته، حتى في غياب الأدلة الأحفورية المباشرة.
المصدر: لايف ساينس