ويرى الباحث في معهد ترومن للسلام بالجامعة العبرية روني شاكيد، أن أزمة إسرائيل لم تعد محصورة في غزة أو لبنان أو سوريا، بل امتدت إلى الداخل والعلاقات الخارجية، في ظل غياب مسار سياسي موازٍ للعمل العسكري، وضغوط متعارضة تضع نتنياهو بين واشنطن وحلفائه في اليمين المتطرف.
وخلال حديثه إلى “التاسعة” على سكاي نيوز عربية، قدم شاكيد قراءة قاتمة للمشهد، معتبراً أن استمرار الجبهات المفتوحة قد يتحول إلى جزء من الحسابات الانتخابية، بينما تواجه إسرائيل، وفق تقديره، أزمة داخلية تتعلق بمستقبل الديمقراطية وعلاقاتها الخارجية.
نتنياهو بين واشنطن واليمين
يصف شاكيد الوضع الإسرائيلي داخلياً وخارجياً بأنه “صعب جداً”، معتبراً أن هامش القرار لم يعد في يد إسرائيل أو نتنياهو وحدهما، في ظل الدور الذي تلعبه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويستشهد بمواقف ترامب التي يرى فيها توجهاً نحو إنهاء الحرب، خصوصاً بعد لقاء جاريد كوشنر مع قيادة حماس في القاهرة، معتبراً أن الرئيس الأميركي يبحث عن اتفاق عبر قنوات متعددة، ولا يضع الحسابات الإسرائيلية وحدها في مركز تحركاته.
وبحسب شاكيد، فإن ترامب يتحرك وفق مصالحه وحساباته، بينما يجد نتنياهو نفسه عالقاً بين الضغط الأميركي من جهة، وضغوط اليمين الإسرائيلي المتطرف، ولا سيما بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، إلى جانب الحريديم، من جهة أخرى.
ويرى أن العامل الحاسم بالنسبة إلى نتنياهو يبقى مرتبطاً بمستقبله السياسي وقدرته على البقاء في السلطة.
حرب بلا مسار سياسي
ويفرق شاكيد بين تأييد الإسرائيليين للحرب وبين تأييدهم للسياسة التي تقود إلى استمرارها، معتبراً أن نتنياهو أدرك منذ الأسابيع الأولى أن القوة العسكرية وحدها لن تنتج حلاً من دون مسار سياسي.
ويقول إن إسرائيل أخطأت بعدم وضع تصور سياسي لغزة ولبنان وسوريا، وكذلك لعلاقاتها مع دول المنطقة.
ويحذر من أن غياب بديل سياسي لحماس وحزب الله، وعدم وجود تصور واضح للتعامل مع الوضع في سوريا، يعني استمرار الحرب.
ويشير إلى وجود إسرائيل في نصف قطاع غزة، فيما النصف الآخر مدمر وغير قابل للعيش، بحسب وصفه، إلى جانب وجود قوات إسرائيلية داخل لبنان.
ويرى أن بقاء السكان تحت الاحتلال يولد مقاومة، وأن التوصل إلى اتفاق مع حزب الله أو لبنان والعودة إلى الحدود الإسرائيلية قد يفتح مساراً مختلفاً للتعامل مع الأزمة.
الانتخابات والجبهات المفتوحة
ويربط شاكيد استمرار القتال بحسابات الانتخابات، مرجحاً أن يسعى نتنياهو تدريجياً إلى إبقاء الحرب مستمرة حتى موعد الاقتراع.
ويشير إلى استمرار العمليات في غزة ولبنان وسوريا، محذراً من أن الحرب قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات أو تغيير شكلها. كما ينقل مخاوف داخل معسكر غادي إيزنكوت من اتخاذ خطوات قبل الانتخابات يمكن أن تغير، وفق تعبيره، “خريطة الديمقراطية وخريطة إسرائيل”.
وفي المقابل، يرى أن الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي باتوا مرهقين من الحروب، ولا يريدون حرباً تترك تداعيات على الاقتصاد العالمي.
ويضيف أن المواطن الأميركي يهتم بصورة أساسية بتكاليف السوق والمنزل والسيارة، أكثر من اهتمامه بأعداد الفلسطينيين الذين يموتون في غزة، معتبراً أن ذلك يدخل في حسابات المشهد الأميركي.
الديمقراطية والعزلة
ولا يحصر شاكيد مخاوفه في الحرب، بل يعبر عن قلقه بشأن مستقبل الديمقراطية الإسرائيلية والعلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة، معتبراً أن إسرائيل تواجه عزلة متزايدة.
ويقول إن نتنياهو يستطيع زيارة الولايات المتحدة، لكنه لا يستطيع التوجه إلى دول أوروبية كما كان في السابق، مستشهداً بالمجر، كما يشير إلى الصعوبات التي يواجهها الإسرائيليون في أوروبا، وفق توصيفه.
وداخلياً، يرى أن الانتخابات لم تعد مواجهة تقليدية بين اليمين واليسار، بل بين قوى ليبرالية تدافع عن الحرية والديمقراطية وقوى دينية يمينية متطرفة.
ويقول إن الأخيرة تدفع باتجاه الضفة الغربية وإقامة مستوطنات في غزة وسوريا ولبنان، بينما تتصاعد الانتقادات الداخلية للقوانين وتوجيه الأموال نحو الأمن والمتدينين.
تغيير نتنياهو
ويقول شاكيد إن 47 بالمئة من الإسرائيليين يرون أن الوقت حان لإنهاء ولاية نتنياهو، وإن الاستطلاعات تظهر أغلبية للأحزاب المعارضة له.
ويشير إلى أسماء بينها غادي إيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، لكنه يعتبر أن القضية الأساسية ليست هوية البديل بقدر ما هي تغيير نتنياهو وإتاحة الفرصة للإسرائيليين لإعادة التفكير في مستقبلهم.
ويرى أن المعارضة تضم أطرافاً من اليمين واليسار، إلى جانب شخصيات من الليكود، يجمعها هدف منع نتنياهو من البقاء في الحكومة، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يمثل المشكلة الأساسية، وأن قوة الليكود، في تقديره، ليست بقوة نتنياهو نفسه.
وبذلك يضع شاكيد مستقبل إسرائيل عند تقاطع الحرب والانتخابات والديمقراطية والعلاقات الخارجية، معتبراً أن القوة العسكرية وحدها لن تقدم حلاً، وأن الانتخابات المقبلة قد تشكل اختباراً حاسماً لقدرة الإسرائيليين على إعادة رسم مستقبلهم وعلاقاتهم مع الفلسطينيين ودول المنطقة والولايات المتحدة وأوروبا.