من المنتظر أن يحل بورنهام محل ستارمر في مقر رئاسة الوزراءة “10 داونينغ ستريت” يوم الاثنين القادم، بعد شهر فقط من عودته إلى عضوية مجلس العموم (البرلمان)، إثر غياب استمر 9 سنوات عن الساحة البرلمانية، وذلك في وقت يتمتع فيه حزب العمال (يسار الوسط) بغالبية برلمانية كاسحة.
وبتولي بورنم المنصب، يصبح سابع رئيس وزراء للمملكة المتحدة خلال عقد واحد فقط، في مؤشر واضح على ميل النواب البريطانيين المتزايد إلى التخلص من زعمائهم حالما تواجه أحزابهم عقبات سياسية حادة.
ولم يجد بورنهام، الذي يُلقب بـ”ملك الشمال” بفضل ثلاثة انتصارات متتالية في انتخابات منصب رئيس بلدية مانشستر الكبرى، أي منافس يُذكر على قيادة حزب العمال، بعدما حشد تأييد 379 نائبا من أصل 403 نواب، في حين عجز أي مرشح آخر عن بلوغ عتبة 81 ترشيحا اللازمة لخوض غمار المنافسة.
وتأتي هذه الزعامة في محاولته الثالثة، بعد إخفاقين سابقين عامي 2010 و 2015، حين خسر أمام إد ميلباند وجيريمي كوربن على التوالي.
وقد أعاد بورنهام ، الذي شغل منصب نائب برلماني بين 2001 و2017 وتولى سابقا حقيبة وزارية، تشكيل صورته العامة ليبدو قريبا من المواطن العادي، ويمزج بين خطاب شعبي بسيط ومقاطع مصورة احترافية مؤثرة على منصات التواصل الاجتماعي.
ويأمل نواب حزب العمال في أن يكون بورنهام أكثر قدرة على مخاطبة الجمهور من ستارمر، وأكثر استعدادا لتبني مقاربة جذرية في إصلاح الخدمات العامة وإنعاش الاقتصاد.
وكان بورنهام قد صرح في مقابلة، الأربعاء، قائلا: “علينا أن نرفع الروح المعنوية للناس، ولا بد أن نمنحهم شعوراً أقوى بالأمل، وأن يلمسوا أن البلاد تسير فعلا نحو الانتعاش”.
ويرى قادة حزب العمال في بورنهام الرهان الأنجح لكبح جماح نايجل فاراج، زعيم حزب “ريفورم يو كاي” (إصلاح المملكة المتحدة) المناهض للهجرة، الذي تشير استطلاعات الرأي إلى أنه المرشح الأوفر حظا للفوز في الانتخابات العامة المقبلة المتوقعة في 2029.
وكان ستارمر قد أعاد حزب العمال إلى سدة الحكم بعد 14 عاما في المعارضة، حين حقق فوزا ساحقا على المحافظين في يوليو 2024، بعدما استبدل المحافظون أربعة زعماء في غضون خمس سنوات. غير أن ولاية ستارمر سرعان ما شابتها أخطاء في الملف الداخلي وقرارات مثيرة للجدل، على غرار تعيينه لبيتر ماندلسون، المعروف بعلاقته بالأميركي جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية، سفيرا للمملكة المتحدة في واشنطن.
وزادت الانتخابات المحلية والإقليمية الكارثية في مايو الماضي من الضغوط على ستارمر، ولم يعد قادراً على الصمود بعد فوز بورنهام في الانتخابات الفرعية لمقعد برلماني في 18 يونيو، مما فتح أمامه الباب للترشح لزعامة الحزب. وعقب ذلك، سحب غالبية نواب العمال دعمهم عن ستارمر، الذي أعلن تنحيه في 22 يونيو. وفي مساء اليوم ذاته، احتفى عشرات النواب ببورنم أثناء أدائه اليمين البرلمانية، في رسالة واضحة برغبتهم في تسليمه قيادة الحزب.
وقال بورنم، المنتمي إلى ما يُصنف داخل الحزب بـ”اليسار المعتدل”، إنه “غاية في الامتنان” للدعم الذي حظي به من مختلف تيارات الحزب والثقة التي أولاه إياها النواب، مضيفا: “هذا هو التحول الجذري الذي أطرحه: نقل السلطة بعيدا عن ويستمنستر، وإعادة هيكلة الاقتصاد ليخدم المواطنين العاديين، وتحقيق نمو اقتصادي متوازن في كل منطقة”. وتتلخص رؤيته الأساسية في توسيع الصلاحيات الممنوحة للمدن الأخرى، وإنشاء ما يشبه “10 داونينغ ستريت للشمال” في مانشستر، لضمان عدم تهميش المناطق الواقعة خارج العاصمة لندن.
إلا أن بورنهام سيواجه ذات العقبات التي أوقعت سلفه: اقتصاد متعثر، وتكاليف اقتراض حكومية مرتفعة، واستمرار تدفق المهاجرين غير النظاميين عبر القوارب الصغيرة، وهو ما أسهم بشكل خاص في تعزيز شعبية حزب “إصلاح المملكة المتحدة“.
كما تلوح في الأفق مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة بشكل غير متوقع، نتيجة الحرب الأميركية-الإيرانية وتقلبات مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وكان بورنهام قد تعهد، قبل توليه المنصب عقب لقائه الملك تشارلز الثالث، بالالتزام ببرنامج حزب العمال الانتخابي لعام 2024، الذي ينص على عدم زيادة الضرائب الرئيسية. لكنه سيكون مضطرا إلى تدبير مصادر تمويل بديلة لسد عجز قدره 4.7 مليارات جنيه إسترليني (6.3 مليارات دولار) على مدى 4 سنوات في خطة الاستثمار الدفاعي، فضلا عن معالجة ملف إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية الشائك.