في السابع والعشرين من مايو من ذلك العام، صعدت أليس إلى حبل المشنقة في مدينة هارتفورد، لتصبح أول إنسان يُعدم بتهمة السحر في المستعمرات الأمريكية التي أصبحت في وقت لاحق الولايات المتحدة. كانت تلك اللحظة إيذانا ببداية فترة حالكة في تاريخ هذه الأرض.
تخيلوا ذلك المشهد المرعب: مجتمع صغير، تحاصره المخاوف والخرافات، ويختلط فيه الخوف من المجهول بالتعصب الديني المتشدد. في أوائل تسعينيات القرن السابع عشر، اجتاحت موجة هستيرية جماعية منطقة نيو إنغلاند بأسرها، كالنار في الهشيم. الجيران بدأوا يفقدون الثقة بجيرانهم، والعيون تتربص بكل من يختلف أو ينعزل، والشيطان نفسه كان يُعتقد أنه يسير بين الناس متخفيا. في هذا الجو المشحون بالريبة، ساهمت المعتقدات الدينية المتطرفة والخرافات الشعبية في خلق قناعة راسخة بأن الساحرات موجودات بالفعل، وأنهن يجب أن يُستأصلن قبل أن يدمرن المجتمع من الداخل.
أليس يونغ، زوجة جون يونغ، لم تكن لتخطر على بال أحد. المعلومات عن حياتها شحيحة، وهذا الغموض نفسه جعل منها لوحة بيضاء يمكن لإسقاطات الخوف والكراهية أن ترسم عليها ما تشاء. التفاصيل الدقيقة لمحاكمتها ضاعت في غبار التاريخ، لكن ما نعرفه مرعب بما فيه الكفاية: في يونيو 1647، ألقي القبض عليها بتهمة ممارسة السحر، بناء على اتهامات جيرانها الذين زعموا أنها تستخدم قوى خارقة لإيذائهم. المحاكمة كانت سريعة وجائرة، غارقة في الأدلة الظنية والخرافات. لم تكن هناك حاجة إلى دليل مادي، فالريبة وحدها كانت كافية لإدانة أي إنسان.
لماذا أليس تحديدا؟ المؤرخ جون ديموس، في كتابه الشهير “تسلية الشيطان” الصادر عام 1982، يقدم تفسيرا مرجحا. يبدو أن اتهامات السحر غالبا ما كانت ترتبط بكارثة ملموسة: مرض يصيب الماشية أو وفاة طفل مفاجئة. وفي ربيع عام 1647، حدث أن اجتاح وباء إنفلونزا حاد وقاتل مدينة وندسور، خصوصا بين الأطفال. المصادفة القاتلة أن العديد من الأطفال الذين توفوا كانوا يعيشون بالقرب من عائلة يونغ. بل إن الأدهى من ذلك: ابنة أليس نفسها نجت من الوباء بينما أطفال الجيران ماتوا. بالنسبة لسكان البلدة المرعوبين، لم يكن ذلك مجرد صدفة. كان دليلا قاطعا لا يقبل الشك. إنها الساحرة التي تحمي طفلتها وتقتل أبناء الآخرين بقواها الشيطانية.
هكذا، حُكم على أليس يونغ بالإعدام. في السادس والعشرين من مايو 1647، نُفذ الحكم شنقا أمام الملأ، على جذع شجرة، أو كما تقول رواية ثانية، في ساحة قاعة الاجتماعات في هارتفور.
جسدها، كجثث “الساحرات” الأخريات، ألقي في قبر مجهول بلا مراسم، فلا أحد يعرف حتى اليوم مكان رفاتها. كان إعدامها بمثابة إطلاق رصاصة البداية. فبعدها، أعدم ما يقارب عشرة أشخاص آخرين في كونيتيكت بتهمة السحر، واستمرت المطاردة حتى عام 1663. والأكثر إيلاما أن ابنتها، أليس يونغ بيمون، واجهت نفس الاتهام بعد ثلاثين عاماً، لكن القدر كان أرحم بها هذه المرة، فبرئت من التهمة.
هذه القصة لم تكن حدثا معزولا. فمحاكمة أليس جرت في فترة بلغت فيها مطاردة الساحرات ذروتها في أوروبا، وقد جلب المستوطنون الأوروبيون معهم إلى نيو إنغلاند كل خرافاتهم وريبتهم وخوفهم المرضي من الشيطان. النساء كن الضحايا الأبرز، خصوصا العجائز والمختلفات والمستقلات.
لحسن الحظ، الوعي البشري يتطور، ولو بعد حين. بعد قرون، في عام 2017، حاول مجلس مدينة وندسور تصحيح جزء يسير من هذا الظلم، عندما برأ أليس يونغ رمزيا. لكن لا قرار متأخر يمكنه جبر ما جرى، ولا كلمات يمكنها محو تلك الصورة المرعبة لامرأة تصعد إلى حبل المشنقة بتهمة جائرة.
قصة أليس يونغ ليست مجرد حكاية تاريخية عن زمن مضى، إنها تذكير أبدي بكيف أن الخوف الجماعي والتعصب الأعمى يمكنهما أن يحولا جيرانا عاديين إلى جلادين، وأن يحولا امرأة بريئة إلى ربيبة للشيطان.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
تبخر آلاف القتلى وبقي خمسة فقط!
كان لزلزال كانتو الكبير عام 1923، الذي دمّر طوكيو ويوكوهاما ومدنا يابانية أخرى، وما تلا ذلك من حرائق وأعمال نهب، تأثيرا مأساويا على الكوريين المقيمين في “أرض الشمس المشرقة”.
ملكة بين مؤامرات البلاط و”سفاح القربى”!
هام ملك إنجلترا هنري الثامن بـ”آن بولين” وحاول بكل السبل أن يجعلها عشيقته كما فعل مع شقيقتها، إلا أنها تمنعت فلاحقها وبعث إليها برسائل غرام لاهبة، إلا أنها ردت مشترطة الزواج.
قصة “غواصات” المخدرات!
تتفنن عصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية، في ابتداع وسائل تهريب لا تخطر على البال، بما في ذلك العديد من أنواع الغواصات المصممة لإيصال شحنات ضخمة إلى سواحل بعيدة.
حتى “بائعات الهوى” شهدن ضده!
في عام 1895، رفع الشاعر والكاتب المسرحي والروائي الإنجليزي أوسكار وايلد دعوى تشهير ضد ماركيز كوينزبري، والد صديقه المقرب ألفريد دوغلاس.
زلزال هزّ محور الأرض!
أثر زلزال تشيلي العظيم، الأقوى في التاريخ المعاصر، على كوكب الأرض بأكمله، ولم يكتف بمحو عدة مدن تماما من وجه الأرض، بل وامتد أثره حتى إلى محور الأرض نفسه.