يقام المعرض في قاعة نيقولاييف بقصر الشتاء، ويضم نحو خمسمائة قطعة نادرة تروي قصة امرأة انتزعت مكانتها من أعماق البساطة لتبلغ ذرى السلطة.
من الأسر إلى التاج
تبدأ القصة من اسم لا يكاد يُحسم: مارتا سكافرونسكايا. امرأة من أصول متواضعة، تزوجت جنديا سويديا بسيطا، ثم وقعت في الأسر على يد المشير الميداني بوريس شيريميتيف، قبل أن تنتقل إلى رعاية الأمير منشيكوف، ومن ثَمَّ إلى عيني القيصر بطرس الأول. عند هذه اللحظة تتوقف سلسلة الأرقام، وتبدأ سيرة استثنائية بكل ما تعنيه الكلمة.
Legion-Media
كانت كاترين محبوبة لدى بطرس، وهو رجل لم تكن العاطفة سمته البارزة، كما أنها نالت مودة البسطاء من الشعب الروسي، ولذا لم تشهد روسيا اضطرابات حين علم الناس أن القيصر رحل وأن امرأة قد خلفته على العرش.
غير أن التاريخ اللاحق لم يكن رحيما بسمعتها. اتهمها المنتقدون بالضعف والخضوع لإرادة منشيكوف، واستكمل الروائي أليكسي تولستوي تشويه صورتها في رواية الشهيرة “بطرس الأول”، إذ رسمها بريشة قاسية لا تخلو من قسوة ظالمة.

Legion-Media
المعرض: سيرة امرأة في خمسمائة قطعة
يُقرّ المعرض بهشاشة هذه السيرة الأنثوية في زمن لم تكن فيه المرأة تملك من أمرها الكثير. القطعة الأكثر جذبا للأنظار هي عربة التتويج الفاخرة المكسوة بالرسوم الأليغورية، التي أمر بطرس بتصميمها لزوجته في فرنسا، إلى جانب نسيج الحوائط الفاخر الذي زيّن مراسم التتويج الكبرى.
وعلى الرغم من الإطار الاحتفالي، لا يتهرب المعرض من الظلال القاتمة في تلك الحياة: الأطفال الثمانية الذين أنجبتهم كاترين لبطرس، مات منهم ستة في الطفولة، من بينهم الأمير بطرس بطروفيتش الذي أحبه القيصر حبا جما ولم يتجاوز الرابعة من عمره، والأميرة ناتاليا التي لم تتم السادسة حين غادرت الدنيا.

Legion-Media
حضور الغائبين
لا يكتفي المعرض بتمجيد الإمبراطورة، بل يستحضر أيضا شخصيات محورية في حياتها: شيريميتيف ومنشيكوف، وحتى يفدوكيا لوبوخينا، الزوجة الأولى لبطرس المنفية المظلومة، التي عاشت لتشهد رحيل طاغية زواجها ورحيل من خلفته في قلبه.

Legion-Media
وفي مزج لافت بين الجليل والحميمي، تعرض القاعة إلى جانب عربة التتويج أحذية دقيقة لا تبدو مريحة، ودبابيس شعر ترصّع تسريحات البلاط. بيد أن أكثر القطع مفاجأة هي ساعة مكتب إنجليزية من عقد العشرينيات في القرن الثامن عشر، تعلو وجهها صورة مصغّرة لبطرس الأول، وتعزف ألحانا شعبية كان عنوانها الجامع:”من يشرب الروم” و”لا تدغدغني” و”الفتى الطائش الممتع”، وهي موسيقى تختصر بطريقة عجيبة رحلة كاترين من أحضان الجند إلى عرش روسيا.

Legion-Media
خاتمة بلا إجابات
يطرح المعرض تساؤلات يتركها معلّقة دون إجابات: هل أحبت كاترين حقا بطرس، أم كان ذلك شراكة نفعية طلتها مسحة من الحنان؟ لا أحد يعرف على وجه اليقين. ما يمكن قوله في نهاية الجولة هو أن المعرض يقدم لنا صورة إنسانية متكاملة لامرأة حقيقية، لا أيقونة مصطنعة بل امرأة عاشت وأحبت وفقدت وحكمت، وكان في قلبها، ربما، أكثر من اسم واحد.

Legion-Media
المصدر: كوميرسانت