فمنذ شهر فبراير المنصرم، تعاقب على زيارة الجزائر ثلاثة وزراء فرنسيين، بدءا بوزير الداخلية لوران نونياز، تلتها الوزيرة المنتدبة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس ريفو في الـ 8 من الشهر الجاري، ثم وزير العدل حافظ الأختام جيرالد دارمانان بعد ذلك بنحو أسبوعين.
ولم تقتصر الزيارات على المستوى الوزاري، بل شملت أيضا شخصيات سياسية ومؤثرين في المشهد الفرنسي، حيث زارت الجزائر رئيسة معهد العالم العربي بباريس والمستشارة السابقة بقصر الإليزيه لشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط آن كلير لوجوندر، كما حطت سيغولين رويال، رئيسة “جمعية فرنسا-الجزائر”، الرحال في الجزائر مرتين في ظرف أقل من 4 أشهر.
وعلى الصعيد التشريعي، زار الجزائر عضو مجلس الشيوخ الفرنسي أكلي ملولي، والنائب بالغرفة السفلى للبرلمان الفرنسي صابرينا صبايحي، في حين لم تسجل أية زيارة لمسؤول جزائري أو شخصية سياسية جزائرية بارزة إلى باريس، باستثناء الزيارة المرتقبة لوزير الداخلية والجماعات المحلية سعيد سعيود التي لا تزال قيد الإعداد.
وأضافت الصحيفة أنه وعلى الرغم من هذه الزيارات المتتالية، لا تزال السفارة الجزائرية في باريس بدون سفير منذ أن قرر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون استدعاءه للتشاور، في أعقاب القرار الفرنسي المستفز بالتخلي عن الحياد في قضية الصحراء الغربية، التي تعتبر من منظور العقيدة الدبلوماسية للسياسة الخارجية للجزائر ملفا جيوسياسيا حارقا. في المقابل، عاد السفير الفرنسي ستيفان روماتي إلى منصبه بالجزائر في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، بعد أن غادر سفارة بلاده قبل أكثر من سنة.
ويرافق كل هذه الزيارات تصريحات من المسؤولين الفرنسيين، وحتى من أعلى هرم الدولة الفرنسية إيمانويل ماكرون، تؤكد على أهمية العلاقات الثنائية وضرورة استعادة جسور التواصل مع الجزائر، وذلك رغم محاولات التشويش التي يعمل عليها اليمين واليمين المتطرف الفرنسي من أجل إبطال هذا التقارب أو على الأقل تحجيمه من خلال إضعاف موقف حكومة سيباستيان لوكورنو وسياسة التهدئة بعد التراجع عن نهج وزير الداخلية السابق.
وفي تعليق على هذه الظاهرة، يؤكد محللون دبلوماسيون أن الإصرار الذي أبداه الجانب الفرنسي من أجل إعادة مد الجسور نابع من قناعة راسخة بأن باريس هي التي بحاجة إلى الجزائر وليس العكس في العديد من الملفات، ولا سيما الأمنية منها، بسبب التداخل المجتمعي بين البلدين، فضلا عن الوضع في منطقة الساحل وخاصة بعد طرد فرنسا منها.
ويشير المحللون إلى أن التعاون الأمني بين الجزائر وفرنسا توقف مباشرة بعد إعلان ماكرون عن موقف فرنسا الجديد من قضية الصحراء الغربية في يوليو 2024، وهو ما لم يتمكن الفرنسيون من تجرعه، في وقت استمر فيه التعاون الأمني بين الجزائر وروسيا حتى في أصعب الفترات التي عاشتها العلاقات بين البلدين بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تسببت حالة الانسداد في العلاقات الثنائية في أضرار كبيرة للمصالح الفرنسية في الجزائر، الاقتصادية والتجارية والثقافية، مقابل تعزيز نفوذ دول أخرى منافسة لفرنسا على غرار إيطاليا وتركيا وإسبانيا، وهو ما تسبب في خسارة فادحة للنفوذ الفرنسي في دولة كانت، للاعتبارات التاريخية المعروفة، تعتبر مجالها الحيوي في منطقة شمال إفريقيا.
الصحيفة اختتمت بالقول إن “باريس خسرت سوقا كبيرا ومستقرا لصادراتها من الحبوب، ولا يزال مصنع “رينو” مغلقا منذ ما يفوق الـ 5 سنوات رغم المحاولات الفرنسية المتكررة من أجل إعادة بعثه، في الوقت الذي تم فيه توطين مصنع المنافس الإيطالي “فيات” بطاقة إنتاجية يرتقب أن تقترب من 100 ألف سيارة في نهاية السنة الجارية، علما أن السيارات الفرنسية كانت إلى وقت قريب هي المهيمنة على السوق الجزائرية.
المصدر: الشروق الجزائرية