تخطي إلى المحتوى

القائمة الأولية
  • الرئيسية
  • أخبار عامة
  • الأخبار السياسية
  • الأخبار الإقتصادية
  • الأخبار الثقافية
  • الأخبار الرياضية
  • مقالات وآراء
  • علوم وتكنلوجيا
  • تواصل معنا
  • مقالات

سلطة الاحتمالات في حياة الأديب – أخبار السعودية

فريق التحرير أغسطس 7, 2026
سلطة-الاحتمالات-في-حياة-الأديب-أخبار-السعودية.webp.webp

خلافاً للاعتقاد الشائع حيال ما تناءى وعزّت سُبل تحقيقه فإن ما يُظن تخطياً بدهياً وتجاوزاً حتمياً ليس عدا نسيان مزيّف وخديعة تمارسها طوية الإنسان لإقناعه بأن ليس ثمة تبعات لما حِيل دون بلوغه، بل إن ما يخاله إزاء تخطيه للأماني المبتورة قد يكون فخاً بالغ التعقيد ينزلق إليه طواعيه وبملء إرادته ولا يغادره أبداً.

ذلك أن صِلتنا بما لم نبلغه من أحلامنا واتصالنا بالمسارات التي لم تكتمل والخسارات التي مُنينا بها والاحتمالات الضائعة لا ينقطعان بمجرد انقضائها أو توقفها بل يتمددان أسفل طبقة رقيقة في لا وعينا ويبسطان أثرهما ويبنيان تأثيرهما كحياة أخرى وإن توهمنا ردمها في قاع الماضي.

فكما أن للأحداث والوقائع والإنجازات التي نحققها طريقتها ودورها في تشكيل وعينا وبنيتنا النفسية والعصبية والفلسفية، فإن للمسارات التي لم تكتمل والقرارات التي لم تجتز عتبة النوايا تجلياتها ودورها أيضاً في صياغتنا وتشكيل وعينا وإن افترضنا أنها ليست سوى ظل لواقعنا. والحقيقة أن اللا أحداث وإن كانت تجارب مبتورة إلا أن ما اعتراها من قصور لم يَحُل دون إسدائنا ذات الحكمة التي يمنحنا إياها ما وقع في حيواتنا وعايشناه، بل إنها تشكّل جزءاً ليس باليسير من تكويننا الداخلي وربما استدعيناها دون أن ندرك لمحاججة انطفائنا وإذكاء حماستنا وتحفيز إبداعنا. ولذلك يمكن القول إن للإنسان حياتين عاش إحداهما وأمِل الأخرى وظلتا ملتصقتين بذاكرته مودعتين بصمتيهما في عوالمه الذهنية ومتشاركتين تكوين نزوعه النفسية وبناء الأنا وتشكيل المعرفة والإدراك، فالأحاديث التي لم نقُلها والطرق التي لم نسلكها والاعتذارات التي أرجأناها والشعور الذي بقي فكرة ولم يصِر واقعاً، والتصورات الآملة قد ترقى لتكون الجزء الرصين والأشد حضوراً في ذواتنا وربما كانت إحدى حيلنا النابهة لفهم ما يحدث.

إن لسلطة الاحتمالات في حياتنا ما يترك ندباً شفيفة في أنفسنا تُبقي على أثرها بعيداً وربما تحوّلت مع مضي الوقت إلى ذكرى ضبابية نعجز عن نفيها أو تأكيدها، ذلك أنها اختلطت بنسيج أرواحنا وتغذت على رغبةٍ ما في الذاكرة سيما أننا نلمس أثر ما وقع ونلامس تأثيره بينما يظل ما لم يقع مفتوحاً على احتمالاتٍ عدة وتأويلات عديدة فيتغير وظيفياً من حدث وشيك إلى سردٍ داخلي عميق يزاول تمدده في الذاكرة قبل أن يتحوّل إلى توتراتٍ خلاقة يتواتر تأثيرها ويتجلى أثرها ذات حين.

يحاجج دون ذلك فلاسفة كثر ويقولون بصوابه فمؤسس علم النفس الفردي النمساوي «ألفرد أدلر» يرى أن «الإنسان يُصاغ عبر صراعاته وإخفاقاته أكثر مما يُصاغ من خلال انتصاراته» وكأن ما لم يتحقّق يترك في النفس أثراً يدفع نحو البحث عن معنى أعمق لحياتنا والإخفاق بطبيعته يتحول إلى وقود فطاقة إبداعية وفكرية لإنجاز عمل حضاري أو جمالي وهو ذاته ما يؤكده الفيلسوف الوجودي «سورين كيركغارد» الذي يرى أن «الإنسان يعيش بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون»، ما يدل على أن الاحتمالات التي لم تتحقّق لا تبرحنا بل تبقى كأطياف في أرواحنا وتزوال تأثيرها حتى نرى أثرها من خلال عمل ما. وهو ما أدركه سينيكا بعد أن طرح تساؤله عما «إذا كان ما لم يقع أقل حضوراً في حياتنا مما وقع» ليجيبه لاحقاً بأننا «نتألم في خيالنا أكثر مما نتألم في الواقع» وهي إجابةً نابهة تصيره كعديد من الآراء التي تقول بتحويل الإنسان أحلامه التي لم تتحقّق وآماله التي بترت إلى بوصلة داخلية تشير نحو مسارات إبداعية كالفن والأدب وتبرهن على أثر الاحتمالات الضائعة و«اللا حدث» في تشكّل الوعي وبناء الإدراك والقدرة على شرح الذات.

أحد الأمثلة الراسخة في وجدان الأدب هو الكاتب الروسي العظيم فيودور دوستيفسكي الذي عاش حياةً مليئة بالخيبات بدءاً من الفقر الذي سحق كثيراً من أحلامه مروراً بالسجن الذي أردى آماله وليس انتهاءً بالمرض الذي أنهك جسده ولكنه حوّل كل ذلك إلى تأملاتٍ فلسفية عميقة تبحث الطوية البشرية وأحاله إلى مادةٍ نابهة وذكية لفهم الإنسان.

وكذلك هو رائد الكتابة الكابوسية التشيكي فرانز كافكا الذي ظل طوال حياته يعيش شعوراً طاغياً بالاغتراب ولم يحظَ خلال الأربعين عاماً التي عاشها بما أمِل حتى أنه خلال حياته لم يظفر باعتراف أدبي يوازي قيمة ما كتبه ما خلق عالمه الأدبي الخاص والفريد وجعله يعيش داخل متاهة معقدة مما تمنى فجاءت أعماله كمحاولة لتفسير الحياة وفهم الأخرى التي لم يعشها، وكذلك هو حال الروائي الفرنسي مارسيل بروست الذي أمضى سنوات طويلة في عزلته حرمه المرض خلالها من تحقيق الكثير من أحلامه العملية والاجتماعية فأحال عزلته إلى المشروع الأهم في حياته وجاءت روايته الخالدة «البحث عن الزمن المفقود» كوثيقة يستعيد عبرها جزءاً لم يكتمل من حياته.

ولذلك بدت الكثير من الأعمال الأدبية العظيمة وكأنها كُتبت بنورانية شفيفة وأتت في مجملها كرسائل إلى الأحلام التي عز تحقيقها والمشاعر التي ظلت خُطاها والطرق التي لم تُسلك، لتبرهن على أن ألمعية الأديب وعبقرية الكاتب تتجاوز تجيير ما عاشه وخبره لمصلحة قلمه إلى استدعاء الأحداث التي لم تكتمل لتكتبه أيضاً ولتثبت أن سلطة الاحتمالات نافذة وأثرها لا ينقطع في حياة الأديب وأن ما لم يحدث لم يكن يوماً صفحة فارغة في حياته بل مساحة تجلٍّ يُقرئنا فيها أدباً فذاً.



Source link

Post navigation

Previous: تأملات في أنوثة غائبة.. مرايا الصحراء والذاكرة على جدار «عمة آل مشرق» – أخبار السعودية
Next: تجربة الكتابة.. ووجوه أخرى لغبطة الحياة – أخبار السعودية
| MoreNews بواسطة AF themes.