في الاتحاد السوفيتي تحديدا، برز طاقم نسائي شاب طموح قرر أن يتحدى كل الصعاب، ويحطم الرقم القياسي العالمي لأطول رحلة جوية نسائية دون توقف. إنها قصة ثلاث نساء جمعتهن الطائرة “رودينا” أي “الوطن الأم”، فصنعن مجدا لم ينسه التاريخ، ودفعن ثمنه من حياتهن وأعصابهن.
استعدادات لرحلة غير مسبوقة
انطلق طاقم مكوّن من ثلاث نساء شابات: فالنتينا غريزودوبوفا، القائدة؛ وبولينا أوسيبينكو، مساعدة الطيار ومارينا راسكوفا، الملّاحة. كان الهدف تسجيل رقم قياسي عالمي لأطول رحلة نسائية جوية من دون توقف. جرت هذه الرحلة التاريخية يومي 24 و25 سبتمبر 1938، باستخدام طائرة معدلة خصيصا من طراز “إي إن تي – 37” ذات المحركين، أُطلق عليها اسم “رودينا”.
قبيل الرحلة، قامت الطيارات السوفيتيات الرائدات بتجهيز طائرة ثنائية المحرك من هذا الطراز، وجرى إدخال تعديلات محددة عليها إذ أُزيلت منها المعدات العسكرية، ورُكّبت خزانات وقود إضافية، كما أُعيد تصميم مقدمة الطائرة لتحسين الأداء. كان المسار المخطط له يمتد من موسكو وصولا إلى الشرق الأقصى، في رحلة تختبر حدود التحمل البشري والآلة معا.
شجاعة في ظروف قاسية
استغرقت الرحلة 26 ساعة و29 دقيقة، قُطعت خلالها مسافة 5908 كيلومترات في خط مستقيم من دون توقف، أي ما يعادل 6450 كيلومترا وفقا للمسار الفعلي للرحلة.
بهذا الإنجاز، حطمن الرقم القياسي العالمي لمسافة الطيران النسائي بفارق يزيد عن 1500 كيلومتر. وقد اعتمد الاتحاد الدولي للطيران هذا الإنجاز رسميا كرقم قياسي عالمي لرحلة جوية دون توقف في خط مستقيم، نفذها طاقم نسائي.
أظهر هذا الطاقم النسائي السوفيتي خلال الرحلة بطولة حقيقية وشجاعة فائقة فقد واجهن منذ البداية ظروفا قاسية، وتقلبات جوية عنيفة. كما اضطررن للطيران وهن يرتدين أقنعة الأكسجين في درجات حرارة تحت الصفر.
واجهت الطائرة، بعد إقلاعها بفترة وجيزة، غطاء كثيف من السحب، تلاه تشكّل طبقات من الجليد. تغطت نوافذ قمرة القيادة بالجليد، مما اضطر الطيارات إلى رفع سرعة المراوح إلى أقصى حد في محاولة للتخلص من القشرة الجليدية. ارتفع الطاقم إلى علو تجاوز 7000 متر، وواصلن الطيران وهن يرتدين أقنعة الأكسجين.
سرعان ما تعطلت أجهزة اللاسلكي؛ فانقطع الاتصال بالأرض، وأصبح من المستحيل تحديد الموقع باستخدام المنارات اللاسلكية. كان أفراد الطاقم يحلّقون في حالة أشبه بالعمى التام، مع وجود خطر تجاوز الحدود ودخول منطقة منشوريا، التي كانت وقتها خاضعة للسيطرة اليابانية، عن طريق الخطأ.
في إحدى اللحظات، جرت حادثة مؤسفة، إذ فتحت الملّاحة راسكوفا نافذة صغيرة لإزالة الصقيع عن الزجاج، فطارت خرائط الملاحة خارج الطائرة. اضطر الطاقم حينها للاعتماد على النجوم في الملاحة، ولاحقا على معالم خليج “توغور” وخط ساحل بحر أوخوتسك.
بين الحياة والموت
علاوة على ذلك، كان وضع الوقود حرجا؛ وقد تبين مع اقتراب نهاية الرحلة أن الوقود لم يتبق منه ما يكفي إلا لنصف ساعة تقريبا. بذلك، أصبح الوصول إلى الوجهة المقصودة، مدينة “كومسومولسك-نا-أموري”، أمرا مستحيلا. قررت قائدة الطائرة القيام بهبوط اضطراري في غابات التايغا.
هبطت القائدة غريزودوبوفا بالطائرة في مساحة خالية ومستنقعية بالقرب من منابع نهر أمغون، على بعد حوالي 160 كيلومترا من مدينة “كومسومولسك-نا-أموري”. لم يتم إنزال عجلات الهبوط، إذ كانت ستغوص فورا في التربة المليئة بالمستنقعات. في مثل هذا النوع من الهبوط، تكون مقصورة الملاحة، حيث كانت تجلس راسكوفا، في أكثر المواضع عرضة للخطر، وأشدها تعرضاً لاحتمالية الاصطدام؛ لذا أمرت غريزودوبوفا زميلتها راسكوفا بالقفز بالمظلة قبل الهبوط، بينما بقيت مساعدة الطيار أوسيبينكو على متن الطائرة لمساعدة القائدة. كان الهبوط ناجحا نسبيا؛ إذ ظل المحرك سليما، رغم تعرض المراوح للانحناء وإصابة الجزء السفلي من مقصورة الملاحة ببعض الأضرار.
عقب الهبوط، بدأت عمليات بحث واسعة النطاق شاركت فيها أكثر من 50 طائرة، إلا أن الطائرة لم تُكتشف من الجو إلا في اليوم التاسع، وتحديدا في الثالث من أكتوبر، حين رصد الطيار ميخائيل ساخاروف طائرة “الوطن الأم”.
مأساة الإنقاذ ومصير الطاقم
اتخذت القصة منحىً مأساوياً في وقت لاحق. في الرابع من أكتوبر، وأثناء عمليات الإنقاذ، اصطدمت طائرتان في الجو، إحداهما طائرة نقل من طراز “تي بي-3” والأخرى من طراز “دوغلاس”. كان بين الضحايا الذين لقوا حتفهم ياكوف سوروكين، قائد القوات الجوية للجيش الثاني المستقل، وطيار التجارب ألكسندر برياندينسكي، الذي كان قد شارك سابقا في رحلة قياسية أخرى ضمن طاقم مكوّن بالكامل من الرجال.
أما الملّاحة مارينا راسكوفا، فبعد أن قفزت من الطائرة بالمظلة، أمضت عشرة أيام وهي تشق طريقها بمفردها عبر غابات التايغا والمستنقعات. كان طعامها مقتصرا على لوحين من الشوكولاتة، إلى جانب ثمار التوت البري التي جمعتها في طريقها، كما كانت تحمل معها سلاحا. في نهاية المطاف، وتحديدا في السادس من أكتوبر، وصلت إلى الموقع الذي كان يتواجد فيه رفاقها وفريق الإنقاذ.
التكريم والحياة اللاحقة
في الثاني من نوفمبر عام 1938، مُنحت كل من فالنتينا غريزودوبوفا، وبولينا أوسيبينكو، ومارينا راسكوفا لقب “بطل الاتحاد السوفيتي”، ليصبحن بذلك أول نساء في الاتحاد السوفيتي يحصلن على هذا التكريم.
مضت حياة المشاركات في مسارات مختلفة؛ فقد توفيت بولينا أوسيبينكو بعد أقل من ثمانية أشهر من تلك الرحلة، وكان ذلك في مايو 1939، أثناء طلعة تدريبية في منطقة ريازان، بينما لقيت مارينا راسكوفا حتفها في عام 1943.
الجدير بالذكر أن الطيارات الثلاث شاركن في الحرب العالمية الثانية، التي تُعرف معاركها في روسيا باسم الحرب الوطنية العظمى.
اللافت أن الملّاحة مارينا راسكوفا اشتهرت بتأسيسها أفواج طيران نسائية عُرفت باسم “ساحرات الليل”. أما قائدة هذه الرحلة التاريخية، فالنتينا غريزودوبوفا، فقد نجت من ويلات الحرب، وتولت بعد ذلك قيادة فوج من قاذفات القنابل، وعاشت حتى عام 1993.
إرث يتجاوز حدود السماء
تبقى رحلة “رودينا” علامة فارقة في تاريخ الطيران النسائي العالمي، لا لكونها حطمت رقما قياسيا فحسب، بل لأنها جسدت شجاعة النساء وقدرتهن على تحمل أقسى الظروف. لقد أثبتت غريزودوبوفا ورفيقاتها أن السماء ليست حكرا على الرجال، وأن الإرادة تصنع المستحيل.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
ملحمة سيفاستوبول.. 250 يوما من الصمود
في الثلاثين من أكتوبر عام 1941، بدأ الدفاع البطولي عن مدينة سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، وهو الدفاع الذي يُعدّ واحدا من المعارك الحاسمة في الحرب الوطنية العظمى.
4300 كيلومتر في قلب الصقيع
اكتمل في 27 أكتوبر عام 1984 بناء الخط الرئيسي لسكة حديد “بايكال-أمور” الذي يُعد أضخم مشروع للبنية التحتية في الاتحاد السوفيتي.