جاء ذلك وفقا لما صرح به لافروف لقناة TV BRICS التلفزيونية الدولية، حيث تابع: “يقال لنا إنه يجب حل القضية الأوكرانية. وفي أنكوريج قبلنا مقترح الولايات المتحدة وتعاملنا مع الأمر بمسؤولية. قدموا المقترح وقبلناه، وهو ما يعني أن المشكلة يجب حلها”.
وتابع الوزير: “حتى الآن، يبدو كل شيء على أرض الواقع عكس ذلك تماما، تفرض عقوبات جديدة، وتشن حرب على ناقلات النفط في أعالي البحار في انتهاك لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتمنع الهند وشركاء روسيا الآخرون من شراء الطاقة الروسية الرخيصة والموثوقة، بعد أن منعت من شرائها أوروبا منذ فترة طويلة، ويجبرون على شراء الغاز الطبيعي المسال الأمريكي بأسعار باهظة”.
وأوضح لافروف أنه وبرغم انفتاح روسيا مثل الهند والصين وإندونيسيا والبرازيل على التعاون مع جميع الدول بما فيها قوة عظمى كالولايات المتحدة، تجد موسكو نفسها في وضع يخلق فيه الأمريكيون أنفسهم حواجز مصطنعة أمام هذا التعاون، واختتم لافروف حديثه بالقول: “مضطرون للبحث عن مسارات إضافية آمنة لتطوير مشاريعنا المالية والاقتصادية والتكاملية واللوجستية وغيرها مع دول (بريكس)”.
وكانت روسيا قد تقدمت بمقترحاتها للولايات المتحدة لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة، من أجل تيسير التعاون بين البلدين، وتقدمت كذلك بمبادرة من أجل تمديد معاهدة “نيوستارت”، إلا أنها لم تتلق أي رد بشأن المقترحات الأولى، وتلقت تلميحات وإشارات بشأن المبادرة الثانية، من بينها ما أعرب عنه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من أن الولايات المتحدة “تدرك أن مناقشة معاهدة جديدة تستغرق وقتا”، وتصريح نائب روبيو بأن المعاهدة “الجديدة” التي ستحل محل “نيوستارت” للحد من انتشار الأسلحة النووية الجديدة ستكون متينة، وربما ستشمل أطرافا أخرى.
وقد أعلن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عن التطرق إلى قضية تمديد معاهدة “نيوستارت” خلال محادثات أبو ظبي الأسبوع الماضي، دون أن يعلن عن أي نتائج محددة.
في الوقت نفسه صرح نائب وزير الخارجية الأمريكي بأن الولايات المتحدة “مستعدة لتوسيع قدراتها النووية إذا لزم الأمر”، وأنها “لا تزال تمتلك قدرة نووية غير منتشرة يمكن استخدامها بقرار من ترامب ردا على أي تهديدات جديدة”، وتبريرا للمطالب الأمريكية بضم الصين إلى المحادثات بشأن الحد من انتشار الأسلحة النووية تابع: “لدى الولايات المتحدة معلومات تفيد بأن الصين تجري تجارب نووية في انتهاك لقرار وقف التجارب النووية وحاولت إخفاءها”.
لهذا قد يظن المتابع لمجريات الأحداث الراهنة على الساحة الدولية، لا سيما ما يخص العلاقات الروسية الأمريكية بأن ثمة نوع ودرجة من التحدي، وانعدام الثقة، كما نلمح ما يصفه البعض بأنه صراع/تنافس بين القوى العظمى الثلاث (الولايات المتحدة وروسيا والصين) على تقاسم النفوذ والسيطرة على العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
لكن ما يصدر عن ترامب وإدارته لا زال يؤكد أن هذه الإدارة لا زالت تخضع للأوهام النيولبرالية العولمية بشأن سيطرة الولايات المتحدة على مقادير ومصائر البشر في كل بقعة من بقاع الأرض. وما يلوكه ترامب ليل نهار من أنه نجح في وقف 8 حروب في ثمان أماكن مختلفة حول العالم، بينما يخطئ في نطق بعضها، ويختلط عليه الأمر في بعضها الآخر، وأنه يقوم بمبادرات تخترق حدود التاريخ والجغرافيا وصراع الشرق الأوسط المرير المستمر لعقود، وأنه ينشئ “مجلسا للسلام” يعلم الله وحده كيف سيعمل ومن سيضم وهل سيتوقف عند حدود غزة (إذا تمكن بالأساس من وقف إطلاق النار الذي تنتهكه إسرائيل حتى الآن يوميا) أم سيمتد إلى مناطق أخرى حول العالم ليشملها بـ “السلام الأمريكي الموعود”.
من هنا يمكن فهم تصريحات ماركو روبيو بشأن وضع الولايات المتحدة لما يسميه “معايير عالمية” لجميع الدول النووية (ويعني بذلك إلى جانب الصين فرنسا وبريطانيا ربما). لكن، هل ستستطيع إدارة ترامب أن تتطرق إلى كوريا الشمالية، والهند، وباكستان، وإسرائيل قبل أن تجبر إيران على وقف تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية؟ وهل تتمكن إدارة ترامب من أن تجبر إسرائيل على وقف الاستيطان، بينما يقف وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش خلال اقتحامه بلدة نعلين ويعلن عن رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية ونقل إصدار تراخيص البناء في المستوطنات اليهودية والمواقع المقدسة من الجهات الفلسطينية إلى مؤسسات التخطيط التابع للإدارات المدنية الإسرائيلية، هل سيتمكن ترامب من الرجوع عن قراريه بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ومنح الجولان لإسرائيل؟
ما يبدو للعيان حتى اللحظة هو تخبط هذه الإدارة التي لا تملك استراتيجية واضحة للعمل، فلا هي ألغت سياسات بايدن، ولا هي قادرة حتى على المضي قدما لتحقيق وعودها لا للداخل الأمريكي ولا في السياسات الخارجية الأمريكية. كل ما أمكن لهذه الإدارة إنجازه هو اختطاف رئيس شرعي لدولة فنزويلا في سابقة خطيرة من انتهاك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
بالتزامن تمضي المفاوضات بشأن التسوية الأوكرانية في أبو ظبي، ويبدو أن ضغطا ما قد بدأ أن يؤثر على الرئيس فاقد الشرعية للنظام الأوكراني في كييف، والذي يخرج علينا بتصريحات من عينة أن “البنية التحتية للطاقة الروسية هدف شرعي للضربات الأوكرانية”، وأن أوكرانيا “ستبدأ في إنتاج الطائرات المسيرة في ألمانيا بحلول منتصف فبراير الجاري”، ويأتي ذلك عقب وعود الأمين العام لحلف “الناتو” مارك روته أمام البرلمان الأوكراني بأن قوات “الناتو” ستكون موجودة بانتهاء العمليات العسكرية في إطار “ضمانات أمنية” لأوكرانيا. ويعلم الله من أين أتى السيد روته بهذه الثقة، مع العلم بأن الجميع يعلم بأن ما يقوله أمين الحلف لا يعني سوى أنه يدعو للمواجهة المباشرة بين “الناتو” وروسيا، وهو ما لم تعلن عنه الولايات المتحدة أو إدارة ترامب أو حتى إدارة بايدن. فمن أين يأتي روته بهذه المعلومات وهذه الثقة، العلم عند الله وحده.
ردا على تلك الترهات، يجب أن نعيد للذاكرة أن العملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا إنما اندلعت بسبب تمدد “الناتو” شرقا، وبسبب رغبة “الناتو” في ضم أوكرانيا، وأن أي وجود لأي قوات من “الناتو” على الأراضي الأوكرانية مرفوض شكلا وموضوعا، ومشاركة ألمانيا بإنتاج طائرات مسيرة لأوكرانيا تقصف “البنية التحتية الروسية للطاقة” على حد تعبير زيلينسكي، يضع تلك المصانع والورش هدفا شرعيا للقوات المسلحة الروسية، وما يقوله روته يجعل “الناتو” في مواجهة مباشرة مع روسيا، فهل يعي هؤلاء ما يقولون؟
لقد صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن روسيا تنفذ عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا ولا تعتزم مهاجمة أي دولة أوروبية، وهو موقف روسي ثابت منذ بدء العملية، إلا أن الوزير الروسي حذر من أنه إذا بدأت أوروبا بمهاجمة روسيا فسترد موسكو بكافة الوسائل المتاحة.
نحمد الله أن الوضع حول إيران قد عاد للهدوء نسبيا، وبدأنا نستمع إلى تصريحات من نائب الرئيس الإيراني الذي أعرب عن استعداد إيران لوقف تخصيب اليورانيوم إذا رفعت الولايات المتحدة جميع العقوبات عن إيران، وكذلك عن بعثة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية ستزور إيران خلال أيام للتفتيش، وهي أنباء تشي بأن المفاوضات في عمان بشأن الملف النووي الإيراني بين إيران والولايات المتحدة قد أثمرت عن تقدم ما، لكن إيران تتذكر جيدا كيف قامت إسرائيل والولايات المتحدة بضربها في الوقت الذي كانت الأخيرة تتفاوض فيها مع الجمهورية الإسلامية.
لم يعد بإمكان أي أحد التكهن بما يمكن أن يحدث في الغد. وعقب انتهاء سريان اتفاقية “نيوستارت” للحد من انتشار الأسلحة النووية، وفي ظل الحشد الكبير للقوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، لم يعد أحد يأمن جانب الولايات المتحدة، ولا جانب إدارة ترامب. فربما يستيقظ يوم غد بفكرة من أفكاره تقلب طاولات المفاوضات جميعا رأسا على عقب، من يعلم!
لهذا تلتزم روسيا بالحذر والدقة في التصريحات والإجراءات وتلتفت فقط إلى الأفعال لا الأقوال وتصريحات المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين التي تتناثر في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ليل نهار.
الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب