وفي حديث إلى قناة RT بمناسبة الذكرى الـ225 لميلاد دال، التي تُحيا رسميا هذا العام بموجب مرسوم رئاسي، تناول باك إرث مؤلف «المعجم التفسيري للغة الروسية العظيمة الحية»، وأوجه نشاطه المتعددة، وريادة منهجه اللغوي.
لماذا دال؟
أوضح باك أن دال كان في أربعينيات القرن التاسع عشر من أشهر كتّاب النثر الروس وأكثرهم قراءة، وكان ينشر أعماله باسم مستعار هو «قوزاق لوغانسكي». وأشار إلى أن المتحف الذي يحمل اسمه هو أكبر جمعية متاحف في روسيا وإحدى الجمعيات الرائدة عالميا من حيث حجم المقتنيات واتساع الموضوعات، وهو متحف لأدب روسيا بأممها كلها لا للأدب الروسي بمعناه القومي وحده، وهذا جوهري لفهم تلاقي الأمم والتقاليد والمعتقدات في الثقافة الروسية.
وأوضح باك أن المتحف أُريد له أن يحمل اسم شخصية يتجاوز أثرها الأدب بوصفه فنًّا. فروسيا، في رأيه، «بلد أدبي بامتياز»، إذ اتسع الأدب فيها منذ القرن التاسع عشر ليشمل السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع والأخلاق، حتى صار «وعي ثقافتنا بذاتها» ووعيَ دولة متعددة القوميات.
ولهذا لم يقع الاختيار على بوشكين ولا تولستوي ولا دوستويفسكي، وقد خُصّ كلٌّ منهم بمتحف يحمل اسمه. ولا يُقارَن بدال في اتساع الأثر إلا اثنان: كارامزين، الكاتب والمؤرخ الرسمي، ولومونوسوف، الأكاديمي والكيميائي. غير أن اسم لومونوسوف تحمله أول جامعة في روسيا، أما كارامزين فخُصّ بمتحف-محمية أوستافييفو، المعروف بـ«بارناس الروسي». فلم يبقَ إلا دال، وهو بحسب باك ليس رجل ثقافة وعلم فحسب، بل مسؤول حكومي كبير وشخصية عامة بارزة.
أكثر من صاحب معجم
ذكّر باك بأن نشاط دال تجاوز المعجم بكثير: فقد نال مكافأة رفيعة على تصميم جسر فريد على نهر فيستولا وإقامته، وعمل طبيبا عسكريا ومحاربا، وطبيب عيون بارعا يُجري العمليات بكلتا يديه ببراعة متساوية في ساحة المعركة، وكان ملاحا شجاعا وإثنوغرافيا وباحثا في الفولكلور. وخدم سنوات طويلة في وزارة الداخلية ببطرسبرغ، وتولى مهام خاصة في مقاطعتي أورينبورغ ونيجني نوفغورود، وعمل في موسكو. وفي أورينبورغ وصف، إلى جانب عمله، النباتات والحيوانات المحلية، ودرس اللغات الشرقية، وشارك في رحلات استكشافية.

/ Gettyimages.ru
وعن كيفية استيعاب رجل ذي جذور أوروبية لجوهر الهوية الروسية، قال باك إن هذا «سر دال الأكبر»: فهو دنماركي من جهة الأب وبروتستانتي، وأمه فرنسية، وُلد في بلدة «مصنع لوغانسك» (لوغانسك حاليا)، لكنه صار جزءا لا يتجزأ من الثقافة الروسية. وينقل عنه قوله: «ينتمي الإنسان إلى الأمة التي يفكر بلغتها. أنا أفكر بالروسية». واعتنق الأرثوذكسية في أواخر حياته. وتشمل جغرافية حياته الإمبراطورية الروسية كلها، من لوغانسك ودوربات (تارتو حاليا في إستونيا، حيث درس في جامعتها) إلى أورينبورغ ونيجني نوفغورود وموسكو وبطرسبرغ.
صداقة مع بوشكين
وتوقف باك عند صداقة دال ببوشكين، رغم اختلاف طبعيهما: فبوشكين، الأكبر بعامين، كان مرحا منفتحا، ودال جادا منطويا. وبدأت الصلة بينهما بحوار بين كاتبين للقصص الخيالية، ثم بمحادثة استمرت ثلاثة أيام خلال زيارة بوشكين إلى أورينبورغ، وأثمرت الرحلة، بحسب باك، «ابنة القبطان»، التي استندت إلى مادة جمعها بوشكين لكتابه عن انتفاضة بوغاتشوف. وكان دال، صديقا مقرَّبا وطبيبا، حاضرا عند فراش الشاعر على نهر مويكا في ساعاته الأخيرة، فأهداه بوشكين قبل وفاته خاتمه الزمردي الثمين، وهو، بحسب باك، «البلورة السحرية» التي ذكرها في «يفغيني أونغين». ويُحفظ الخاتم اليوم في مقتنيات المتحف الروسي العام لبوشكين في بطرسبرغ.

/ Globallookpress
منهج سبق عصره
وأوضح باك أن دال سبق عصره بوصفه «مخالفا عبقريا للمألوف العلمي»، وأن علماء القرن التاسع عشر الأكاديميين تشككوا فيه: فمن منظور اللغويات الكلاسيكية بدت عبارة «اللغة الروسية العظيمة الحية» في عنوان المعجم وهما، إذ لم يكن هذا المفهوم موجودا قبله. فقد رفض رفضا قاطعا الحواجز الجامدة بين «اللغة الأدبية» واللهجات الشعبية، وجمع جنودا من مقاطعات مختلفة حول نار المخيم ودوّن بدقة أسماء الأشياء اليومية نفسها في أماكن متباينة، من أرخانغيلسك إلى أستراخان، «وسرعان ما أصبحت مادة المدخل جاهزة».
ولم يفرد دال لكل كلمة مدخلا مستقلا حسب الترتيب الأبجدي المألوف، بل جمع الكلمات المشتقة من الجذر نفسه تحت مدخل واحد وشرحها معا. بينما لم تظهر معاجم المرادفات ذات البنية المماثلة إلا في القرن العشرين. وأضاف أن لسانيات المدونات الحديثة تنطلق كلها من الأسلوب نفسه، أي تسجيل الاستخدامات المختلفة للكلمات والعبارات. واستشهد باك بقول فلاديمير نابوكوف إن معجم دال ليس مرجعا جافا بل كتاب عظيم يُقرأ بالتسلسل لا للاستعلام.

/ Legion-Media
احتفالات الذكرى
وأعلن باك أن المتحف أعدّ، برعاية اللجنة المنظِّمة الرسمية للاحتفال بالذكرى الـ225، معرضا متنقلا واسع النطاق بعنوان «بوشكين ودال: فرسان الكلمة»، جال في مناطق دال الرئيسية: موسكو وبطرسبرغ ونيجني نوفغورود وأورينبورغ. أما المعرض الرئيسي للمناسبة فسيُفتتح في موسكو، في جادة زوبوفسكي 15، وهو الحدث المحوري الذي سيقدَّم فيه للزوار قطع نادرة تكشف حجم شخصية دال بالنسبة إلى تاريخنا وإلى مستقبل الأدب الروسي بأسره.
المصدر: RT