حينَ نَمُوتُ…وتَنسى الرِّيَاحُ خُطانا،وَتَمْحُو النَّسَماتُ الرَّقِيقَةُ أَثَرَنا،وتُطفِئُ بَعدَ الرَّحِيلِ الضِّياءَ،تَذْوَى الظِّلالُ الَّتي عانَقَتْناكَأَنَّا لَم نُخلَقْ في الأَرضِ يومًا،كَأَنَّا خَيالٌ تَلاشَى وَفَنَا.مَن ذا سَيَحكي عَنِ الحُبِّ فينَا؟عَنِ الحُلْمِ، عَن دِفءِ قَلبٍ رَعَاهُ الحَنِينُ؟مَن ذا سَيَذكُرُ أَنَّا عَشَقْنَا الحَياةَ،وَأَنَّا مَشَينا عَلَى شَوكِها وَاثِقِينَ؟مَن ذا سَيَشهَدُ أَنَّا غَنَّينا بِصَوتٍ شَجِيٍّ كَنَهرِ الخُلُودِ،وَأَنَّ البَلابِلَ كَانَت تُصغِي إلَيناحينَ نَرْسُمُ لَحنَ الوجودِ؟مَن يُخبِرُ الأَرضَ أَنَّا عَشَقْنا تُرابَ البِلادِ كَأَنَّهُ أُمُّنا؟سَجَدْنا على صَخرِها، قَبَّلْنا طِينَها،زَرَعْنا الحُقولَ بِأَهدابِنا،وَعَمَّدْنا الطِّينَ نُورًا لَنا.مَن يُخبِرُ النِّيلَ أَنَّا سَكِرْنا بِمَوجِ هَواهُ كَعُشَّاقِه؟وَأَنَّا سَكَبْنا على ضِفَّتَيهِ دُعاءَ القلوبِ وَدَمعَ الحِكايةِ،وَأَنَّا إِذا ما تَنَفَّسَ صُبحٌ نُهدِيهِ مِنَّا رَقيقَ النَّوايا؟مَن يُخبِرُ شَمسًا أضاءَت جِراحِيبَأَنِّي عَشِقتُ ضِياءَها رَغمَ لَهَبي،وَأَنِّي كَتبتُ لَها في المَساءِ رَسائلَ نارٍ وماءٍ وشُهُبٍ؟مَن يُخبِرُ قَمَرًا جَلستُ إلَيهِ أُبُوحُ لَهُ سِرَّ رُوحي وَحُبِّي؟وَمَن يُحَدِّثُ نَجمَ السَّماءِ عَنِّي، وَعَن فَرَحٍ مَاتَ بِقَلبي؟مَن سَيَقصُّ حِكايةَ الأُمِّ الحَنونِ،إِذا ما غَفَوتُ على صَدرِها،بَأَنِّي حَمَلتُ لَها الحُبَّ طِفلًا،وَعِشتُ على طُهرِها وَعَطائِها،وَأَنِّي إِذا ما نِمتُ بَعيدًا،فَإِنِّي أَعودُ بِدُعائِها وَمَداها.مَن سَيُخبِرُ عَنِّي رِفاقَ الدُّروبِ؟بَأَنِّي وَفَيتُ لِكُلِّ الَّذينَ مَضَوا مِن حُروفي،وَنَاموا بِقَلبي، وَلَم يَغِبْ مِنِّي الحَنِينُ.مَن ذا يُعيدُ الحِكاياتِ لِيإِذا ما رَحَلتُ بلا مَوطِنٍ؟وَمَن يَزرَعُ الضَّوءَ فَوقَ الضُّلوعِإِذا مَرَّتِ الرِّيحُ وَلَم تَسكُنِ؟مِن بَعدِ مَوتِي سَيُعلِنُ أَنِّي سَقَيتُ الزُّهورَ وَغَنَّيتُها،وَأَنِّي إِذا مِتُّ، مِتُّ أَمِينًا — لِأُمِّي، لِوَطَني، لِحُلمي، لِبَسمَتِها.مَن ذا سَيَقرَأُ فِيَّ القَصيدَةَ وَيَعرِفُ أَنِّي نَسَجتُ الزَّمانَ؟مَن ذا سَيَكتُبُ فَوقَ الضَّريحِ:«هُنا مَرَّ إنسانٌ…وكانَ الغِناءُ يُقيمُ بِهِ -كَأَنَّهُ وَطَنٌ لا يُهانُ».
Source link