كان من المفترض أن يبدأ الخطاب الرسمي على النحو التالي: “أيها المواطنون الأمريكيون، يسرني أن أعلن أنني وقّعت اليوم أمرا تنفيذيا يسمح للطلاب المنتمين إلى جماعات دينية بممارسة حق حُرموا منه طويلا، ألا وهو حرية التجمع في المدارس الثانوية العامة بعد انتهاء الدوام الدراسي، تماما كما هو الحال بالنسبة للطلاب المنتمين إلى جماعات أخرى”.
بدلا من هذا النص، قال الرئيس الأمريكي حينها في 11 أغسطس 1984 أمام الميكروفون في “مزحة ثقيلة” نصها الكامل: “أيها الأمريكيون، يسعدني أن أبلغكم اليوم أنني وقعت أمرا تنفيذيا يحظر روسيا إلى الأبد. سيبدأ القصف بعد خمس دقائق”.
هذا التصريح الغريب تم تسجيله ولم يعلم ريغان بذلك، ولم يُبَث بطبيعة الحال، ولكن تبين أن محطات البث التي كانت تُجري الاستعدادات التقنية، سجلت هذا النص المرتجل. سُرّب التسجيل الصوتي إلى الصحافة وبُثّ على شبكة “سي بي إس” الإخبارية، ليتحول الأمر سريعا من مزحة غريبة إلى فضيحة دولية محرجة.
جاء رد فعل موسكو الرسمي في بيان لوكالة تاس جاء فيه: “يدين الاتحاد السوفيتي الهجوم العدائي غير المسبوق الذي شنّه الرئيس الأمريكي. إن هذا السلوك لا يتوافق مع المسؤولية الجسيمة التي يتحملها قادة الدول، ولا سيما تلك التي تمتلك أسلحة نووية، تجاه مصير شعوبهم ومصير البشرية جمعاء”.
في ذلك الوقت ذكرت بعض التقارير أن القوات المسلحة السوفيتية وُضعت في تأهب قصوى بعد هذه المزحة، في حين أعرب ريغان في مؤتمر صحفي لاحق عن أسفه للمزحة، لكنه في الوقت نفسه أصرّ أيضا على أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية المخاطرة بـ”وقوع حادثة” ببثها، مشيرا أيضا إلى أنها كانت “سخرية لاذعة” من أولئك الذين صوّروه على أنه مُثير للحروب.
أصبحت المزحة الخطيرة مصدر إحراج عالمي للرئيس، واضطرت إدارة ريغان إلى محاولة احتواء أضرارها، بطمأنة الاتحاد السوفيتي بأن التصريح “لا يعكس سياسات البيت الأبيض أو النوايا العسكرية الأمريكية”. وصفت وسائل إعلام في ذلك الوقت ريغان بـ”المتهور النووي” و”الرجل العجوز غير المسؤول”. كان ذلك الحادث من جانب آخر بمثابة درس للسياسيين حول ضرورة التفكير مليا قبل الكلام، حتى في المناسبات غير الرسمية.
شعر حلفاء أمريكا في ذلك الوقت بالاستياء، وعبرت الصحافة الأوروبية عن استياء كبير حيال الموقف، وفيما تساءلت صحيفة “لوموند” الباريسية عما إذا كانت المزحة تكشف عن “رغبة مكبوتة”، علّقت وكالة أنباء هولندية بلهجة متهكمة قائلة: “نأمل أن يختبر الرجل صواريخه بعناية أكبر”.
في الغرب، جرت العادة تاريخيا على “وزن” تصريحات السياسيين المحليين والأجانب بـ”مكيالين”، فإذا ما توعدت شخصية غربية “بالقضاء على روسيا”، يأتي رد الفعل في شكل دعوة إلى عدم أخذ كلامه حرفيا، أما إذا صدرت كلمات عن القادة السوفييت والروس فتُفسر على أنها نية مبيتة و”دعوة للعمل”.
يقال إن “هذا الحادث” أضعف موقف ريغان السياسي مؤقتا، وإن استطلاعات الرأي العام أظهرت انخفاض شعبيته حينها، ما عزز مؤقتًا موقف منافسه والتر مونديل في الانتخابات الرئاسية عام 1984. منافس ريغان حينها مونديل علّق على الموقف بقوله: “على الرئيس أن يكون حذرا جدا في كلامه”. مع ذلك، فاز ريغان في نهاية المطاف بالانتخابات، وحصل على 58.8 بالمئة من الأصوات مقابل 40.5 بالمئة لخصمه مونديل.
هكذا مرت الفضيحة، وكان لنكتة ريغان عواقب سياسية قصيرة الأمد، وتأثير طويل المدى على صورة شخصيته وعلى العلاقات الدبلوماسية بين القوتين العظميين.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
وكان الرد غارة مفاجئة على برلين!
في خطوة كانت مفاجأة صاعقة للألمان، شنت قاذفات قنابل سوفيتية بين السابع والثامن من أغسطس 1941 أولى غاراتها الجوية على مواقع في برلين.
الصعود إلى “الفجر الكوني”!
صعد رائد الفضاء السوفيتي غيرمان تيتوف إلى مدار قريب من الأرض على متن المركبة “فوستوك 2″، وقضى في الفضاء الخارجي أكثر من 25 ساعة و18 دقيقة، وكان أول إنسان يشهد فجرا كونيا.
أمام فوهات البنادق.. هروب نحو المجهول!
في حادثة استثنائية من حيث حجمها وتفاصيلها المثيرة، نفذ ألف ومئة وأربعة أسير حرب ياباني في الخامس من أغسطس عام 1944 عملية هروب جماعي كبرى من سجن كاورا، الذي يقع في أستراليا.
جبل طارق ومفاتيح قناة السويس!
استولى أسطول إنجليزي هولندي على جبل طارق من إسبانيا في 4 أغسطس 1704. شكّل هذا الحدث الذي جرى على خلفية “حرب الخلافة الإسبانية”، بداية السيطرة البريطانية على “الصخرة”.