انشغل علماء الآثار في بطرسبورغ لسنوات بدراسة تلال غامضة منتشرة في شمال غرب روسيا. وخلال الموسم الماضي، أجرى باحثو مركز الإنقاذ الأثري التابع لمعهد تاريخ الثقافة المادية في الأكاديمية الروسية للعلوم مسوحات ميدانية قرب مدينة لوغا، وتحديدا في محيط بحيرة ميريفسكويه، حيث اكتُشف أكثر من خمسة عشر مدفنا على هيئة تلال طويلة بمحاذاة الشواطئ، ويعمل العلماء حاليا على تحليل المواد المستخرجة منها.
وتُعد ثقافة “التلال الطويلة” في منطقتي بسكوف–نوفغورود من أبرز الثقافات التي ظهرت في الشمال الغربي بين القرنين الخامس والحادي عشر. وقد امتد انتشارها ليشمل جنوب منطقة لينينغراد وبسكوف وتفير وأجزاء من نوفغورود، إضافة إلى مناطق مجاورة في فيتيبسك وإستونيا. وتميزت هذه الثقافة بطقوس جنائزية خاصة، حيث كان أتباعها يحرقون موتاهم ويدفنون الرماد داخل تلال كبيرة بأشكال مختلفة، مع وضع مقتنيات يُعتقد أنها مفيدة للميت، مثل الأواني والأدوات.
ويرى بعض الباحثين أن هذه الثقافة قد تمثل مرحلة مبكرة من الثقافات السلافية، دون الجزم بأن حامليها كانوا سلافيين خالصين، إذ لا يزال أصلهم العرقي محل نقاش. فبينما تشير بعض الفرضيات إلى هجرة قبائل سلافية من الجنوب منذ القرن الخامس، تكشف الأدلة أيضا عن تأثيرات للقبائل المحلية التي سبقتهم في المنطقة.
ومن الظواهر اللافتة المرتبطة بهذه الثقافة وجود مواقع أثرية تُظهر مرحلة انتقالية من طقوس حرق الموتى إلى الدفن التقليدي، إذ كان السكان يستخدمون مواقع الحرق نفسها لاحقا كمدافن اعتيادية.
ويؤكد الباحث مكسيم باجين أن وجود المدافن يدل على وجود مستوطنات قريبة، مشيرا إلى أن عدد المستوطنات المكتشفة لا يزال أقل بكثير من عدد المدافن. وخلال المسوحات قرب لوغا، تمكن العلماء من تحديد موقعين استيطانيين جديدين، يُتوقع أن تسهم دراستهما في فهم أعمق لحياة السكان.
ويشير الباحثون إلى أن تنوع المواقع الأثرية، بين مدافن ومستوطنات ومناطق إنتاج محتملة، يتيح فهما أشمل لحياة الإنسان في تلك الحقبة، إذ تكشف المدافن عن المعتقدات والطقوس، بينما توضح المستوطنات أنماط المعيشة اليومية. ومن خلال دمج هذه المعطيات، يمكن إعادة بناء صورة أكثر دقة وتكاملا عن تاريخ المنطقة.
المصدر: فونتانكا