ويأتي هذا الظهور بعد قرار الولايات المتحدة تصنيف الحركة الإسلامية في السودان (الإخوان) وجناحها العسكري كتيبة البراء بن مالك كيانا إرهابيا، حيث أدرجتها وزارة الخارجية الأميركية رسمياً ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية اعتباراً من 16 مارس الجاري، في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في الموقف الدولي تجاه الصراع السوداني وتعقيداته.
اتهامات بالعنف وترحيب داخلي بالتصنيف
وبحسب بيان الخارجية الأميركية، فإن جماعة الإخوان السودانية تعتمد على استخدام العنف المفرط ضد المدنيين كوسيلة لتقويض جهود التسوية السياسية، وفرض أيديولوجيتها الإسلاموية المتطرفة، مشيرة إلى تورط عناصرها في تنفيذ عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين، إضافة إلى تلقي عدد من مقاتليها تدريبات ودعماً من الحرس الثوري الإيراني، ما يعكس أبعاداً إقليمية خطيرة للصراع.
وكانت كتيبة البراء بن مالك قد خضعت بالفعل لتصنيف سابق بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 في سبتمبر 2025، لدورها المباشر في الحرب الوحشية التي يشهدها السودان، وهو ما مهد الطريق للتصنيف الأوسع والأشد تأثيراً الذي صدر مؤخرا.
وقد لقي القرار الأميركي ترحيباً واسعاً من قوى سياسية ومدنية سودانية، اعتبرته خطوة مهمة في اتجاه محاصرة الجماعات المتطرفة، وكبح نفوذها، والمساهمة في إنهاء الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
خطاب تعبوي وإصرار على مواصلة القتال
وفي خطابه، افتتح قائد الكتيبة حديثه بوصف المصلين بـ”المجاهدين” و”مشاريع استشهاد”، مؤكداً أن حضوره بينهم يهدف إلى استنفارهم وتحفيزهم على مواصلة القتال. كما هاجم القرار الأميركي، معتبراً أن المجتمع الدولي والأمم المتحدة “يكيلان بمكيالين”، على حد تعبيره.
واختتم طلحة خطابه بقسم جماعي يؤكد فيه أن عناصر كتيبته سيقفون “وقفة رجل واحد” ولن يثنيهم أي طرف عن مسارهم، في إشارة واضحة إلى الإصرار على الاستمرار في الحرب المشتعلة في السودان.
انتقادات وتحذيرات من تداعيات خطيرة
في المقابل، أثارت لهجة التحدي التي اتسم بها الخطاب ردود فعل غاضبة في الأوساط السياسية والمدنية، حيث رأى سياسيون ونشطاء أن هذا الظهور يكشف عن حجم تغلغل جماعات الإسلام السياسي وأذرعها المسلحة داخل مؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، مؤكدين عجز هذه المؤسسات عن كبح جماح تلك الجماعات أو فرض السيطرة عليها، حتى بعد تصنيفها كتنظيمات إرهابية.
وذهب منتقدون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن قيادة الجيش تعاني من حالة ضعف وتتماهى مع أجندة الحركة الإسلامية، مشيرين إلى أنها عاجزة حتى عن فرض قيود إعلامية على تلك الجماعات، فضلاً عن وقف ما وصفوه بالإرهاب والانتهاكات بحق المدنيين، وما يشكله ذلك من تهديد مباشر لسيادة البلاد وتوريطها في أنشطة إرهابية.
وفي هذا السياق، قال خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف “صمود”، إن هذا الظهور يمثل مؤشراً واضحاً على أن قيادة الجيش قد حسمت موقفها بالانحياز لأجندة تنظيم الإخوان، متحدية القرار الأميركي، وهو ما قد يجر على البلاد عواقب وخيمة.
وأضاف يوسف في حديثه لـ”سكاي نيوز عربية”، أن قائد الكتيبة لم يكتفِ بتحدي القرار، بل تعمد الظهور مرتدياً الكوفية الفلسطينية على غرار قادة الحرس الثوري الإيراني، معتبراً أن هذا السلوك يعكس تأثراً يتجاوز الجانب العسكري إلى البعد الدعائي، في ظل ما وصفه باستغلال إيران للقضية الفلسطينية كغطاء لمشروعها الإقليمي المزعزع للاستقرار.
من جانب آخر، أشار مراقبون إلى أن إدراج كتيبة البراء ضمن التصنيف الأميركي يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد دولي واسع، قد يصل إلى مستوى العمليات العسكرية المباشرة، على غرار ما تعرضت له تنظيمات مثل القاعدة وداعش، في إطار قانون مكافحة الإرهاب الأميركي.
ويمنح هذا القانون غطاءً دولياً للعمليات العسكرية ضد الكيانات المصنفة إرهابية، بما في ذلك كتيبة البراء، وهو ما يضعها أمام سيناريوهات خطيرة قد تتجاوز حدود السودان إلى أبعاد إقليمية ودولية.
السودان أمام اختبار مصيري
يعكس ظهور قائد كتيبة البراء بن مالك بهذا الخطاب التصعيدي، في توقيت بالغ الحساسية، عمق الأزمة التي يعيشها السودان، ويكشف عن تشابك معقد بين العوامل الداخلية والإقليمية.
وبينما تسعى أطراف دولية ومحلية لاحتواء الصراع، يبدو أن خطاب التحدي والمضي في نهج العنف يهدد بتوسيع رقعة المواجهة، ويضع البلاد أمام مفترق طرق حاسم، إما الانخراط في مسار سياسي يفضي إلى الاستقرار، أو الانزلاق نحو مزيد من العزلة والتصعيد الذي قد تكون كلفته باهظة على السودان وشعبه.