كتب ليو تولستوي في روايته “الحرب والسلام”: “كل شيء يأتي في وقته لمن يعرف كيف ينتظر. لا شيء أقوى من الصبر والوقت”.
إن هذا القول المأثور ينطبق تماماً على الوضع الراهن في الحرب مع إيران. فالحصار البحري الأمريكي قرب مضيق هرمز يقلب موازين القوى الاستراتيجية الإيرانية ضد النظام الإيراني. إذ يُعيد الحصار الاقتصادي الذي تعتزم طهران فرضه على العالم إلى مصدره، ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تفاوض الولايات المتحدة وإيران على تسوية للنزاع الحالي.
إن حصول الولايات المتحدة على ما تريده وتحتاجه من خلال أي اتفاق يتطلب صبرًا استراتيجيًا ووقتًا، وهما عنصران يعانيان من نقص حاد في السوق المحلية.
ولسوء الحظ هذا يعني أن أسعار الغاز العالمية ستستمر في الارتفاع، وأن الأسمدة وغيرها من السلع الأساسية ستظل شحيحة في المستقبل المنظور. وعلينا أن نكون مستعدين لتقبّل هذا الواقع. وبغض النظر عن موقفنا من هذا الصراع، فقد فات الأوان لتغيير الوضع.
ينبغي أن ينصبّ التركيز الآن على تمكين الولايات المتحدة (وإلى حدٍّ أقل إسرائيل) من إتمام ما بدأته، وينبغي ألا يدفعنا تسرّعنا في خفض سعر البنزين إلى أقل من 3 دولارات للغالون إلى قبول أي اتفاق تُقدّمه إيران، وحرماننا -والعالم- من فرصة كبح جماح إيران.
وإذا تحلينا بالصبر وسمحنا للحصار البحري الأمريكي بأن يُؤتي ثماره كاملةً، فمن المرجّح أن تعود إيران، وقد أصبحت أكثر تواضعًا، إلى طاولة المفاوضات. كما ستكون خياراتها محدودة. وقد تكون أخيرًا على استعداد لمعالجة قضايا جدّية كالملف النووي والصواريخ الباليستية ودعم وكلائه كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. ويمكن كسب الحرب دون إطلاق رصاصة أخرى.
لم يكن إغلاق النظام لمضيق هرمز وفرضه رسومًا بالعملات المشفرة أو البترويوان نتيجةً لأي براعة استراتيجية، بل كان فرصة استغلها النظام منطقيًا إما بسبب قصور في التخطيط الأمريكي أو بسبب إرهاق القوات الأمريكية التي لم تستطع تأمين مرور السفن بحرية عبر المضيق بالتزامن مع شن حملة عسكرية متواصلة ضد النظام. بل كان الأجدر بالولايات المتحدة فرض هذا الحصار البحري قبل أسابيع، عندما اقترحه ريتشارد هاس لأول مرة.
إذا نجح الحصار المفروض حديثًا على السفن المغادرة من الموانئ الإيرانية لعبور مضيق هرمز، فستفقد إيران ورقتها الرابحة في المضيق. وسيُحرم النظام الإيراني من العملة الصعبة التي هو بأمس الحاجة إليها، وسيُحرم المتعاطفون معه في الصين من شراء النفط بأسعار مخفضة. وقد يؤدي هذا إلى ضغوط صينية على النظام لقبول تنازلات كبيرة في المفاوضات مع واشنطن. والأهم من ذلك، سيحتفظ الدولار الأمريكي بمكانته المهيمنة كعملة أساسية في معاملات النفط والغاز.
وبمعايير النزاعات المسلحة الحديثة لم تكن هذه حملة عسكرية طويلة الأمد، ويبدو أن العمليات الأمريكية اقتصرت على العمليات الجوية فقط. ولا شك أن الولايات المتحدة وجهت ضربة عسكرية قاسية للنظام الإيراني، حيث دمرت جزءًا كبيرًا من برامجه النووية والصاروخية الباليستية والطائرات المسيرة، إلى جانب دفاعاته الجوية وقواته الجوية والبحرية.
سيستغرق الأمر من هذا البلد الذي يعاني أصلاً من ضائقة اقتصادية وقتاً ومليارات الدولارات لإعادة بناء جيشه وإعادة إعمار بنيته التحتية التي تضررت أو دُمرت في الصراع. هذا وقت ومال يكاد النظام لا يملكهما في ظلّ معاناته من تزايد السخط الشعبي.
وعلينا استغلال الوضع الاقتصادي المتردي لإيران لصالحنا في جميع المفاوضات المقبلة معها. كما يجب ألا يُرفع الحظر عن إيران ولا يُعاد بناء اقتصادها إلا عندما يُظهر النظام التزاماً بالتخلي عن طموحاته النووية وبرامجه الصاروخية الباليستية ودعمه للجماعات التابعة له.
إن الحملة العسكرية المكثفة تقترب من نهايتها الطبيعية، ويُعدّ الضغط الاقتصادي الشديد الأخير على ما تبقى من هذا النظام أفضل فرصة للتوصل إلى تسوية تفاوضية.
إذا نفذ صبر الولايات المتحدة قبل الأوان فسيكون لدينا نظام إيراني أكثر جرأة وغضباً. ولذلك تحلوا بالصبر كي نحقق أهدافاً كانت بعيدة المنال طوال العقدين الماضيين.
المصدر: ناشيونال إنترست
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب