تخطي إلى المحتوى

القائمة الأولية
  • الرئيسية
  • أخبار عامة
  • الأخبار السياسية
  • الأخبار الإقتصادية
  • الأخبار الثقافية
  • الأخبار الرياضية
  • مقالات وآراء
  • علوم وتكنلوجيا
  • تواصل معنا
  • مقالات

الكاتب والذكاء الاصطناعي.. أيهما يحرر الجملة الأخيرة؟ – أخبار السعودية

فريق التحرير يوليو 17, 2026
الكاتب-والذكاء-الاصطناعي-أيهما-يحرر-الجملة-الأخيرة؟-أخبار-السعودية.webp.webp

كلما ظهرت أداة جديدة في تاريخ الإنسان، نهض الخوف من مرقده القديم وارتدى ثوباً جديداً. حين بدأت الكتابة، قيل إن الذاكرة ستضعف، وإن الإنسان سيخسر قدرته على الحفظ. وحين جاءت الطباعة، خشي بعضهم أن تنكسر هيبة الرواية الشفوية. ثم ظهرالإنترنت، ومعه «قوقل»، فارتفعت أصوات تقول إن الناس سيهجرون الكتب، ويكتفون بمحركات البحث، وستتحوّل المعرفة إلى إجابات سريعة. ومع ذلك لم تمت الذاكرة، ولم ينتهِ الكتاب، ولم تختفِ المكتبات. تغيّرت طرق الوصول إلى المعرفة، لكن الإنسان ظل محتاجاً إلى السؤال وبناء المعنى.

اليوم يتكرر الخوف نفسه مع الذكاء الاصطناعي. يخشى كثيرون أن تلغي هذه التقنية الإنسان، أو أن تضعف قدرته على الكتابة، أو أن تجعل الكاتب تابعاً لآلة تقترح وتلخص وتعيد الصياغة. غير أن هذا الخوف لا ينبغي أن يمنعنا من رؤية التحوّل الكبير الذي يجري أمامنا. فالذكاء الاصطناعي ليس برنامجاً عابراً، بل فتح واسع في تاريخ الأدوات البشرية؛ دخل الطب، والبحث العلمي، والتعليم، والفنون، والكتابة أيضاً. ومن الخطأ أن نتعامل معه كخصم للإنسان، بدل أن نراه أداة هائلة تتوقف قيمتها على وعي من يستخدمها.

وليس غريباً أن تستثمر الدول الكبرى، ومنها المملكة العربية السعودية، مبالغ ضخمة في هذا المجال. فالمسألة لم تعد ترفاً تقنياً، بل صارت جزءاً من اقتصاد المستقبل، ومن بنية المعرفة القادمة. الدول لا تراهن على الذكاء الاصطناعي لأنه موضة عابرة، بل لأنه سيعيد ترتيب قطاعات كثيرة؛ الصحة، التعليم، الطاقة، الإعلام، الثقافة، وسوق العمل. ومن الطبيعي أن يصل أثره إلى الكتابة، لأنها إحدى صور التفكير وإنتاج الخيال والمعرفة.

في الأدب، بدأت الأمثلة تخرج من دائرة التخمين إلى دائرة التجربة المعلنة. الروائية البولندية أولغا توكارتشوك، الحائزة على نوبل، أثارت جدلاً حين تحدثت عن استعانتها بالذكاء الاصطناعي في البحث الأولي وتطوير الأفكار، موضحة أن النص الإبداعي لم تكتبه الآلة. فكاتبة في مقام توكارتشوك تعرف أن الكاتب المعاصر صار يجاور أدوات جديدة لا يستطيع تجاهلها.

وعربياً، أثارت رواية «خيانة في المغرب» لأحمد لطفي جدلاً مشابهاً، إذ قُدّمت كتجربة روائية نتجت عن حوار بين الكاتب و«تشات جي بي تي». لم يكن السؤال: هل صارت الآلة روائياً؟ بل: ما حدود المؤلف حين يتحول النص إلى ثمرة تفاوض بين المخيلة البشرية والاقتراح الآلي؟ وفي الأردن، جاء ديوان «خوارزمية الروح» للشاعر والباحث حسام اللحام ليضع الشعر نفسه أمام الاختبار: هل يمكن لقصيدة نثرية مولدة بالذكاء الاصطناعي أن تلامس الحنين، أو تصنع استعارة، أو تقنع القارئ بأن وراءها ارتجافاً إنسانياً؟

هذه النماذج لا تحسم المعركة، لكنها تكشف تحوّلاً لا يمكن تجاهله. في اليابان، كشفت الروائية ري كودان، بعد فوزها بأكوتاغاوا، أن جزءاً محدوداً من روايتها «برج التعاطف في طوكيو» استعان بـ«تشات جي بي تي». أما سلمان رشدي، فقد جرّب أن يطلب من الذكاء الاصطناعي كتابة مقطع بأسلوبه، ثم سخر من النتيجة، مطمئناً إلى أن القارئ الحقيقي لن يخلط بين روحه وروح الآلة. بين هذين الموقفين تتسع المسافة؛ كاتب يستخدم الأداة، وكاتب يختبرها ليكتشف حدودها.

الأداة لا تمتلك أخلاقها وحدها. السكين قد تكون في يد جرّاح ينقذ حياة، وقد تكون في يد عابث يؤذي. والقلم قد يكتب قصيدة، وقد يزوّر شهادة. والآلة، أي آلة، لا تكفي وحدها لصنع المعنى. الذي يوجّهها هو الإنسان؛ بسؤاله، بحساسيته، بموقفه، بخبرته، وبقدرته على التمييز. هكذا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي في الكتابة؛ لا بديلاً عن الكاتب، بل مساعد يفتح مسارات وينبه إلى احتمالات، لكنه لا يمنح النص روحه الأخيرة ما لم يكن وراءه عقل حي وتجربة إنسانية أصيلة.

فالكاتب الحقيقي لا يخاف من الأداة، لأنه يعرف أن الكتابة ليست رصف كلمات فقط. الكتابة ذاكرة وجرح ومزاج ورؤية وموقف من العالم. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج جملة سليمة، وربما فقرة متماسكة، لكنه لا يعرف معنى أن يكتب الإنسان من خسارته، أوطفولته، أو قلقه، أو صراعه مع اللغة والزمن والموت. يستطيع أن يحاكي الأساليب، لكنه لا يعيش التجربة. يستطيع أن يقترح، لكنه لا يرتجف. وهذه المسافة بين الاقتراح والارتجاف هي المسافة التي سيظل الإنسان يقيم فيها.

لا يعني ذلك أن نقلل من خطورة التحوّل. هناك أسئلة حقيقية عن الأصالة، والحقوق، والكسل المعرفي، وتضخم النصوص المتشابهة، وانتحال الجهد، وإغراء السهولة. لكن مواجهة هذه الأسئلة لا تكون بالإنكار ولا بالذعر، بل بالوعي والتربية النقدية ووضع الضوابط. المطلوب ألا يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى قناع يخفي فراغ الكاتب، ولا إلى مصنع لإنتاج نصوص بلا روح.

لقد خاف الإنسان من الكتابة ثم كتب. وخاف من الطباعة ثم قرأ أكثر. وخاف من الإنترنت ثم صار يسكنه ويستخدمه. واليوم يخاف من الذكاء الاصطناعي، لكنه سيضطر إلى فهمه ومساءلته وترويضه. المستقبل لن يكون للآلة وحدها، ولا للإنسان الرافض للأدوات، بل للإنسان الذي يعرف كيف يستخدمها دون أن يتنازل عن جوهره. ستتغيّر الكتابة، نعم، لكن الإنسان سيظل من يطرح السؤال، ويمنح التجربة معناها، ويعرف متى يقبل اقتراح الآلة ومتى يمزقه. فالذكاء الاصطناعي قد يساعدنا على الكتابة، لكنه لا يستطيع أن يعيش بدلاً عنا. ومن لا يعيش، لا يكتب حقاً.



Source link

Post navigation

Previous: مريّع سوادي: لم أُدعَ لأمسية منذ 5 أعوام.. ولا وجود لمشهد ثقافي – أخبار السعودية
Next: قِصَّةُ اللجوء للعزلة
| MoreNews بواسطة AF themes.