ما السيناريوهات المحتملة إذا ما زاحمت الذكاءات الاصطناعية حياة الكائن البشري وأزاحته من وجوده الحضري نحو مناطق أكثر بدائية وأخذت مناطقه التي اعتاد عليها؟
هواجس وتساؤلات؛ تسرّبت إلى تفكير كاتبة رواية (أخابيط) السعودية لينة الشعلان، لتنتج لنا سيناريوهات محتملة مخيفة لمآلات هيمنة هذا الكائن المصنّع على حياة الكائن البشري.. في روايةٍ يتضح فيها الجهد المبذول تقنياً ورؤيويّاً، ولي أن أعدّها بمثابة سيناريو (دق ناقوس الخطر) بالنسبة لنا نحن العرب! وعلينا أن نتأمّل به طويلاً قبل خراب البصرة!
فعلى الرغم من فضاء الرواية المحلّي (السعودية) إلا أنها بهواجسها تكتسب طابعاً إقليمياً؛ لما بيننا من هواجس مشتركة يعيشها العرب في بلدانهم التي تلتقي -جغرافياً- مع السعودية أو تتباين عنها قليلاً.. فما يجمعنا الثقافة العربية ذات الأفق الواحد.. الفاعل المحرّك لحياتنا بمجساته النسقية.. وأعني الثقافة النسقية.
في الرواية سعي حثيث لمسك الإجابات الهاربة عن هذه الهواجس والتساؤلات.. فهي تُقدّم تصوّرات لسيناريو قادم.. سيناريو ما بعد الكارثة..
بعد أن تقع الشخصية المحورية في الرواية (تماضر) بخطأ تقني يكلّف البلاد كاملة نهايات مأساوية ويرسم ملامح واقع جديد يعود فيه الكائن البشري إلى حياة بدائية يأكل فيها القوي الضعيف، قائمة على ثقافة البدوي القديمة، القوة هي الحاكمة، تحت مبدأ إذا لم تكن أسداً أكلتك الثعالب.
فبعد أن هيمن أخطر الذكاءات على أنظمة الآلات المصنّعة لخدمة الكائن البشري (الروبوتات) الذي أسمته الرواية (أخابيط) وحملت اسمه عنواناً دالاً لها.. بدأ هذا وآلاته الموجّهة بتدمير المدن الكبرى وصولاً إلى العاصمة الهدف المركزي له، وبعد الخراب الشامل، واحتلال الأرض والسماء من قبل الآلة المبرمجة للفتك بالشر، راح الكائن البشري يعود لوعيه، وأصله.. وهنا يسيطر على الرواية منطق حالم، لعلنا اليوم نعيش حالة حنان شديد تجاهه، وهو العودة لحياتنا البدائية.. حياة الأجداد، كنسق رفض لتكنولوجيا بدأت تخيفنا، بدأ بممارسات حياة بدائية؛ العودة للرعي، وطلب الماء والكلأ، وامتلاك الآلات البدائية للدفاع عن النفس، والاستعانة بالطبيعة لتمشية أمور الحياة اليومية من مأكل ومشرب وملبس ونقل.. هو جزء كبير من الحل.. وهذا ما حدث في الرواية بعد أن بدأ الكائن البشري يبحث عن ملاذات طبيعية (جبال + أودية + شقوق صخرية) تحميه من هجمات الكائن الاصطناعي المتكررة؛ روبوتات تجوب السماء والأرض بحثاً عن ناجين لإسكات الحياة فيهم.
تستعين الرواية بتقنيتَي الاستباق والاسترجاع لتجعل فعل الزمن فيها مرتبطاً بحدث مركزي هو (هجمات العاصمة) وهي بذلك تشطر زمنها إلى شطرين زمنيين (قبل هجمات العاصمة بكذا يوم أو كذا شهر) و(بعد هجمات العاصمة بكذا يوم أو كذا شهر) في سرد غير خطّي، وهو تكنيك ذكي يجعل كل أحداث الرواية وبنيتها الزمنية مرتبطة بتلك الهواجس.. ولا يمكن للقارئ أن يفهمها ما لم يقم بتجميع هذه الكولاجات المتناثرة فيها هنا وهناك.
وتسعى الرواية -كذلك- إلى معالجة إشكالات ما بعد حداثية؛ إذ تتعمّد مركزة الحضور النسوي فيها، وتوزيع أدوار الشخصيات المحورية والنامية على فواعل نسائية، وكأننا نشهد فريقين؛ ذكوري (يحاول أن يهيمن على حياة ما بعد الهجمات البدائية بالسلب والنهب والاختطاف والإذلال وإخضاع العنصر النسوي وامتهانه)، ونسوي يصارع من أجل البقاء، فتماضر فتاة ذكية صنعت روبوتها الخاص الذي أسمته (سنام) -وهذه التسمية علامة سيميائية مهمة تؤشّر الركون إلى التراث، والطبيعة بوصفهما جزءاً من الحل- هي الشخصية المحورية في الرواية كلها -كما أشرنا- و(العنود) الفتاة التي أصبحت فارسة تمثّل دور جماعات الصعلكة في تأمين الحياة للضعفاء هي ومجموعة فارسات، و(الجوهرة) التي تمثّل شخصية الأم المسيطرة على ولدها، والحانية عليه بمبالغة، وهي شخصية لها تمثلاتها الكثيرة في ثقافتنا العربية.. وشخصيات مسطحة أخرى لها أدوار بسيطة لكنها كلها تخدم الخطاب النسوي في الرواية.
أما الشخصيات الذكورية مثل (ثامر.. أخ تماضر) و(سامر.. زوج تماضر ) و(أبو عناد.. والد العنود) و(علي.. ابن الجوهرة) فكلها شخصيات لها تمثّلات واسعة في ثقافتنا العربية بعامة تنتهج ثقافة الإقصاء، والهيمنة، والأنانية الذكورية، واستعباد المرأة، وإرضاء الذات الذكورية المنتفخة، وغير ذلك من أمراض العادات المجتمعية التي تنوء بثقلها ثقافتنا العربية التي لم تستطع أن تخرج من الخيمة إلى الآن، لذاك كان الحل في الراوية، هو الأقرب لواقعنا، ولعقليتنا البدائية أن يعود الكائن البشري لحياة الأجداد.
ويتضح هذا عبر استلهام الموروث بكل أنماطه (ديني – اجتماعي – تاريخي…) في أكثر من منطقة سردية.. بل إن الرواية نجحت في جعل الموروث في سياق خطاب الضد لخطاب الذكاءات الذي يحاول أن يصنع نسخة محدّثة من إمبريالية ذكية.
وهكذا تنجح رواية (أخابيط) في رسم سيناريو ما بعد الكارثة، وتغلق دائرة الخطر بتقويض القوى الذكية، وإحباط (أخابيط)، ومع هذه النهاية المغلقة التي أنتجتها الرواية إلا أنّها نجحت في إثارة تساؤلات مفتوحة حول مآلات الذكاءات وحياة الكائن البشري معها!
ولي أن أعدّها العمل السردي العربي الأول الذي نجح في ترجمة هواجسنا إزاء الآلة والذكاءات ومآلاتها المُتخيّلة، بعد أن نجح في منح هذه الآلة الحضور السردي الموازي لحضور الكائن البشري في عوالم سردية مُتخيّلة قابلة للتمثّل الواقعي في المستقبل.